Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، { وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [الأعراف: 18].
[7.19-23]
ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: 19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن المحنة.
{ فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.
وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم ، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
Página desconocida