Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
فينبغي أن يعرف أن عصر عالم الأنفس في الأيام الروحانية قائم مقام ليلة القدر في الليالي الجسمانية، والعصر يتعلق بضوء نور الجلال الذي أودعه الله في النهار، ولولاه ما اشتغل الناس في النهار بالكسب، والقدر يتعلق بضوء نور الجمال الذي أودعه في الليل، ولولاه ما اشتغل أحد باستراحة في الليل، وفيه حكمة التدبير مما يتعلق بحد القرآن، ولست مأذنونا بإفشائه.
فاجتهد أن تكون من الموجهين إلى قبلة الأحدية في جميع الأوقات في الأيام الروحانية خاصة إذا غربت شمس الروح إلى مغرب الروحانية؛ لأنك لا تدري بعد غروبها أتطلع من مشرقها أو من مغربها؟ فإذا طلعت من مغربها لا ينفعك طاعة إن غفلت عن التوجه في تلك الساعة، فالسالك يفطن للإشارة التي أشرت إليها ولا ينتفع بتقرير هذه القدسيات إلا السالك، وشرحت ساعة القدر في سورة القدر.
اللهم ارفع قدرنا، واشرح صدرنا، وآمن من المحاق بدرنا.
[104 - سورة الهمزة]
[104.1-9]
أيها [الغافل] قول الخليل الذي يأمرك بطاعة ربك وينهاك عن مخالفته، وعن الاشتغال بالشهوات العاجلة الفانية الصارفة لك عن اللذات الآجلة الباقية، أما تسمع ما يقول الله تعالى: { ويل لكل همزة لمزة } [الهمزة: 1]؛ والهمزة هي القوى النفسية الحسودة المرائية التي تعيبك في غيبك، وإذا وجدت خلا مع الشيطان طففت في معائب القوى القلبية، واللمزة هي القوى النفسية الوقيحة التي تعيبك في وجهك وتقابل خاطرك القلبي بالمكابرة والمجادلة، فاجتهد حتى تشاهد الهمزة واللمزة اللتين هما من قوى نفسك لتشتغل بدفعها، وهما جمعتا الاستعدادات القالبية والقوى الطبيعية وظنا أنهما خالدات معها، وما عرفنا أن تلك الاستعدادات في الحقيقة مثل الحطب لهما عند اشتعال نيران حطمة نفسها بنار الله الموقدة في صدرها المطلعة أفئدتها؛ أي: على حقيقتها، كما يقول تعالى: { الذى جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة } [الهمزة: 2-5]، الحطمة ما جمع الرجل من الحطام وهي مثل الحطب، { نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة * إنها عليهم مؤصدة } [الهمزة: 6-8]؛ أي: تلك النار عليهم مطبقة طبقا فوق طبق { في عمد ممددة } [الهمزة: 9]؛ يعني: لإطباقها أوتاد معلقة على صاحبها، ممددة إلى قعر الدركات القالبية.
فأشفق على نفسك أيها السالك وادفع شر الهمزة واللمزة عن نفسك اليوم، وأطفئ { نار الله الموقدة } [الهمزة: 6] بذكر الله تعالى، ولا تحسب أن { نار الله الموقدة } [الهمزة: 6] مختصة بك لا بل عامة، ولكن من يجمع الحطب الرطب الحظوظي يحرق الحطب ويظلم على صاحب البيت بالدخان الحاصل من رطوبة الحظوظ الهووتية، ومن يجمع العود اليابس القماري يحرق العود ويتنور البيت بنار المحبة، ويملأ دماغ السالك من روائح المعرفة، فالجامع أنت ووقت الجمع يومك، فانظر ما تجمع.
اللهم وفقنا لجمع العود، وهو الطاعة والعبادة، فالمدخرة نار المحبة ورائحة المعرفة.
[105 - سورة الفيل]
[105.1-5]
Página desconocida