Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
، والذي يقول الله تعالى في صفة الواقعة: { خافضة رافعة } [الواقعة: 3] تدل على هذه المعاني؛ لأنها تخفض أهل الشهوات وترفع درجات الذين تركوا الشهوات، ونظروا بعين التحقيق إلى معاني الصمد المزخرفة لا إلى صورتها، وأعرضوا عن الباطل وأقبلوا على الحق.
{ إذا رجت الأرض رجا } [الواقعة: 4]؛ يعني: زلزلت أرض البشرية من غلبة ريح الذكر الروحي، { وبست الجبال بسا } [الواقعة: 5]؛ يعني: فتت القوى المعدنية فتا من صدمات سلطان الذكر الروحي، { فكانت هبآء منبثا } [الواقعة: 6]؛ يعني: غبارا متفرقا بقوة النفي بالذكر الروحي، { وكنتم أزواجا ثلاثة } [الواقعة: 7]، أيتها القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية: إنكم في تلك الحالة تتفرقون على ثلاثة فرق: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون كما يصفهم الله تعالى: { فأصحاب الميمنة } [الواقعة: 8]، هم أصحاب اليمن والبركة من المتيقظين في نومة الدنيا، المشاهدين حقائق الصور بعين الإيمان، { مآ أصحاب الميمنة } [الواقعة: 8] ما أحسن حال أصحاب الميمنة بعد الخلاص من النوم، { وأصحاب المشأمة } [الواقعة: 9]، وهم أصحاب الشؤم والمنقصة من الجاهلين النائمين بنومة الغفلة في الدنيا، القاصرين نظرهم على الصور المزخرفة المزينة العاجلة، الغافلين عن حقائقها ومعانيها، { مآ أصحاب المشأمة } [الواقعة: 9]؛ يعني: ما أقبح حال أصحاب المشأمة بعد الانتباه من نومة الدنيا، { والسابقون السابقون } [الواقعة: 10]؛ يعني: السابقون الذين سبقت لهم منا الحسنى، ما زاغ بصرهم وما طغى، قدمهم عن الصراط يمينا وشمالا؛ هم السابقون بتوجههم الصادق إلى الله تعالى، { أولئك المقربون } [الواقعة: 11] من الله، { في جنات النعيم } [الواقعة: 12]؛ أي: في حقائق ما يشاهدونها في صور الكراهة في الدنيا من المجاهدة والرياضة وترك الشهوات وما شكلها.
{ ثلة من الأولين } [الواقعة: 13]؛ يعني: يكون السابق قليلا من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، { وقليل من الآخرين } [الواقعة: 14]؛ يعني: أيضا هم قليلون من القوى الخفية، كما يقول تعالى في موضع آخر:
وقليل ما هم
[ص: 24] { على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين } [الواقعة: 15-16]؛ يعني: سرر السر متواصلة من الصفات منسوجة بجوهر الوفاء وذهب الرضاء.
[56.17-29]
{ يطوف عليهم ولدان مخلدون } [الواقعة: 17]؛ يعني: يطوف عليهم صور أعمالهم القلبية وأخلاقهم الروحية الحميدة، { بأكواب } [الواقعة: 18]؛ أي: باستعدادات علوية، { وأباريق } [الواقعة: 18]؛ أي: باستعدادات سفلية، { وكأس من معين } [الواقعة: 18]؛ أي: باستعداد معتدل من امتزاج الاستعدادات العلوية والسفلية المطهرة مملوءا من خمر المعاينة، { لا يصدعون عنها } [الواقعة: 19]؛ يعني: لا يؤلم دماغهم الروحاني عن شربها، { ولا ينزفون } [الواقعة: 19]؛ أي: لا يغني شرابهم، ولا ينفذ ذوقهم، وهم لا يسأمون من شربها، وكلما يشربون كأسا تزيد رغبتهم في شرب كأس أخرى، بذوق يحصل لهم من الشرب الأول إلى ما لا يتناهى، وهم خالدون في هذه الأذواق الحاصلة من الذوق الروحي، { وفاكهة مما يتخيرون } [الواقعة: 20]؛ يعني: لهم الفواكه المطرفة مما يختارون، ولهم { ولحم طير مما يشتهون } [الواقعة: 21]؛ يعني: لهم قوة طرية حاصلة من الذكر الروحي يطيرون بها إلى حيث يشتهونه، { وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون } [الواقعة: 22-23] يعني: لهم حور عين من القوى القابلة القالبية والنفسية المزكاة المطهرة تفنيهم على أفعالهم كما يريدون، وهذه القوى المزكاة كانت أمثال اللؤلؤ المخزون في أصداف القالب والنفس في بحر الدنيا، لا يصل إلى تلك القوى غبار الهوى { جزآء بما كانوا يعملون } [الواقعة: 24] في دار الكسب من محافظة القوى الحقوقية المستكنة في أصداف القالب والنفس عن غبار الحظوظ الباطلة العاجلة.
{ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } [الواقعة: 25]؛ يعني: في جنتهم النباتية والمعدنية، المزكاة عن غطاء الكذب وشوك الشرك، لا يسمعون من صور أعمالهم الصالحة { إلا قيلا سلاما سلاما } [الواقعة: 26]؛ يعني: سلامة عن اللغو وسلامة عن التأثيم في دار النعيم، { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } [الواقعة: 27]؛ يعني: أحسن أحوالهم { في سدر مخضود } [الواقعة: 28]؛ يعني: ثمرة تعلقه منقاة من الشوك من الثمار، معرفة الصفات الفعلية الحاصلة من بذر الذكر القالبي والنفس في طلح { وطلح منضود } [الواقعة: 29]؛ يعني: من أصلها إلى فرعها ثمرة لطيفة من غير أن يكون لها قشر يجب طرحه، وهذه ثمرة حاصلة من بذر الذكر القلبي.
[56.30-44]
{ وظل ممدود } [الواقعة: 30]؛ أي: في راحة ممدودة غير متناهية حاصلة من ظل الذكر السري، { ومآء مسكوب } [الواقعة: 31]؛ أي: مصبوب على أرض جنتهم وتراب طبيعتهم الكافورية من ماء الذكر الدائم الروحي، { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } [الواقعة: 32-33]؛ يعني: معارف متناهية وغير ممتنعة عنهم يأكلونها متى شاءوا، حاصلة من بذور أذكار القوى العلوية والسفلية، { وفرش مرفوعة } [الواقعة: 34]؛ يعني: بسط مبسوطة على بساط البسط في العالم الخفي، مرفوعة فرش استعداداتهم المزكاة السفلية بالقوة الخفية من أثر الذكر الخفي.
Página desconocida