Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وقوله: { والقمر قدرناه منازل } [يس: 39] يشير إلى صفة قمر القلب فإن القلب كالقمر في استفادة النور من الشمس بالروح أولا ثم من شمس شهود الحق تعالى وله ثمانية وعشرون منزلا على حسب حروف القرآن، كما أن للقمر ثمانية وعشرون منزلا فالقلب ينزل كل حين منها بمنزل وهذه أسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والغيرة والفتوة والقربة والكثرة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين، فإذا صار إلى آخر منازله فقد تخلق بخلق القرآن واعتصم بحبل الله وله أوان أن يعتصم بالله، ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في قطع منازل العبودية:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99].
ويقال للمؤمنين في الجنة: " اقرأ وارتق " يعني: اقرأ القرآن وارتق مقامات القرب وبقوله: { حتى عاد كالعرجون القديم } [يس: 39] يشير إلى سير قمر القلب في منازله فإذا ألف الحق تعالى في أول منزل ثم بر بالإيمان والعمل الصالح، ثم تاب وتوجه إلى الحضرة، ثم ثبت على ذلك التوجه جعل له الجمعية مع الله فيستنير قلبه بنور ربه حتى يصير بدرا كاملا، ثم يتناقص بدنوه من شمس شهود الحق تعالى قليلا قليلا كلما ازداد بدنوه من الشمس ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى ويخفى ولا يرى لها أثرا وهذا مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:
" الفقر فخري "
لأنه صلى الله عليه وسلم كلما ازداد دنوه إلى الحضرة ليلة المعراج ازداد في فقره من الوجود.
كما أخبر الله تعالى عنه بقوله:
ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 8-9] ذكر هاهنا فقرة إلى الوجود فوجده الله عائلا عن وجوده فأغناه بجوده وبقوله: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } [يس: 40] يشير إلى أن القمر عند تلاشي وجوده وفقره عن الوجود وإن كانت الشمس تغنيه بجودها وتنور القمر شمسا والشمس قمرا فكذلك قمر القلب متوجه إلى شمس الحق تعالى يتنور بنورها.
لا تدرك القمر ليصير القمر، { ولا اليل سابق النهار } [يس: 40]؛ ليكون نهارا؛ يعني: لا يصير القمر شمسا ولا الشمس قمرا، فكذلك القلب بتوجهه إلى شهود الحق تعالى بتنورها، كما قال تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها } [الزمر: 69]، ولكنه لا يصير الرب تعالى عبدا ولا العبد ربا.
Página desconocida