Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ومن قوله: { وإذ يقول المنافقون } [الأحزاب: 12] إلى قوله: { ثم سئلوا الفتنة لآتوها } [الأحزاب: 14]، وتمام الآية: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا } [الأحزاب: 12-14] يشير إلى مرض القلوب وصحة النفوس وجأشهما إذا وكلتا إلى حالتيهما من فساد الاعتقاد وسوء الظن بالله ورسوله ونقض العهود والاغترار بتسويلات الشياطين والفرار من معادن الصدق والتمسك بالحيل والمكائد والكذب والتعلل بالأعذار الواهية، فغلبات الخوف البشرية والجبانة وقلة اليقين والصبر وكثرة الريب والجزع، وعند احتمال خطر الأذية لو سئلوا الارتداد عن الإسلام والإشراك بعد الإقرار بالتوحيد أجابوهم وجاءوا به { وما تلبثوا بهآ } [الأحزاب: 14] يعني في الاحتراز عن الوقوع في الفتنة { إلا يسيرا } [الأحزاب: 14] بل أسرعوا في إجابتها لاستيلاء أوصاف النفوس وغلباتها وبصدأ القلوب وهجوم غفلاتها.
ثم أخبر عن نقض العهود لوهن العقول بقوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } [الأحزاب: 15] يشير إلى مدعي الطلب، فإنهم يعاهدون الله من قبل الشروع في الطلب أنهم { لا يولون الأدبار } [الأحزاب: 15] عن المحاربة مع الشيطان وعند الجهاد مع النفس، فلما شرعوا في الحرب والجهاد مع أحزاب النفس والشيطان، وقد حمل كل حزب منهم أسلحتهم وأخذوا خدعات الحرب ومكائده، وهم الشجعان والأقوياء والأبطال المجربون وعساكر طلاب القلوب المرضى، وهم بعد إغمار غير مجربي الحروب والقتال وإن كان لهم الأسلحة ولكنهم بمعزل عن استعمالهم لضعفهم وعدم العلم بكيفية الاستعمال، فإذا قام الحرب ودام الضرب، غلب الأقوياء على الضعفاء وانهزم المرضى عن الأصحاء، فلم يشد أزرهم الصدق ولم يعاونهم العشق ولم يذكروا حقيقة قوله: { وكان عهد الله مسئولا } [الأحزاب: 15]، ولا يتفكروا في قوله: { قل لن ينفعكم الفرار } [الأحزاب: 16] أيها الطالبون: إن فررتم وإن تفروا إلى الله لينفعكم، فإن الفرار من الموت أو القتل أو موت النفس وقتلها بالمجاهدة لا ينفع عند نزول الآجال، وإن لم تأتهم الآجال فهي من غاية الشقاوة، وإذا لا تمتعون كالبهائم والأنعام في رياض الدنيا إلا قليلا ولا نهاية لتلك الشقاوة.
[33.17-20]
ثم قال { قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا } [الأحزاب: 17] ومن الذي تحقق لكم من دونه مرجوا أو يمنعه منكم إن أراد بكم رحمة { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } [الأحزاب: 17] لو عرفوه حق المعرفة { قد يعلم الله المعوقين منكم } [الأحزاب: 18] عن قتال النفس وجهادها وهم الهوى والشيطان والدنيا وشهواتها، { و } هم { القآئلين لإخوانهم } وهم الحواس الظاهرة والباطنة والجوارح والأعضاء { هلم إلينا } أي كونوا أتباعا لنا لتنتفعوا { ولا يأتون البأس إلا قليلا } [الأحزاب: 18] القتال والجهاد مع النفس وأعوانها الملازمة أحكام الشريعة على وفق الطريقة { إلا قليلا } من الأركان الظاهرة دفعا للطعان والجدود.
ثم وصف المعوقين عن الطلب والمانعين عن الجهاد، فقال: { أشحة عليكم } [الأحزاب: 19] بخلاء فيما يصل إليكم يا أرباب الطلب من ثمرات المجاهدات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات { فإذا جآء الخوف } من عذاب الآخرة عند تذكرها { رأيتهم } أي: رأيت النفس وصفاتها { ينظرون إليك تدور أعينهم } [الأحزاب: 19] بالحسرة والندامة، وقد طاشت من الرعب قلوبهم وطاحت بصائرهم { كالذي يغشى عليه من الموت فإذا } [الأحزاب: 19] جاءت الغفلة و { ذهب الخوف } أيها الطلاب { سلقوكم } [الأحزاب: 19] إخوان السوء وإخوان الشياطين { بألسنة حداد } بأنواع التعريفات وأصناف الفترات { أشحة على الخير } بأن يصيبكم من فضل الله وكرمه { أولئك لم يؤمنوا } [الأحزاب: 19] يشير به إلى مدعي الطلب إذا ارتد عن الطلب، فإن المشايخ قد قالوا: إن مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة؛ ولهذا قال تعالى: { فأحبط الله أعمالهم } [الأحزاب: 19] لأنها لم تكن في إيمان حقيقي بل كان بالتقليد والرياء والسمعة، وكان ذلك الرد والإبطال على الله يسيرا.
[33.21-25]
ثم أخبر عن حسن الأسوة وسر القدوة وبقوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [الأحزاب: 21] يشير إلى ما سبقت به العناية لهذه الأمة في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بلفظ { كان } أي: كان لكم مقدر في الأزل أن يكون لكم عند الخروج من العدم إلى الوجود { في رسول الله أسوة } أي: فقد أحسنته، وذلك بأن أول شيء تعلقت به القدرة للإيجاد كان روح رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله:
" أول ما خلق الله روحي "
والأسوة الحسنة عبارة عن تعلق القدرة بأرواح هذه الأمة لإخراجهم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدم إلى الوجود، فمن أكرم بهذه الكرامة يكون لها أثر في عالم الأرواح قبل تعلقه بعالم الأشباح، فأما أثره في عالم الأرواح فتقدمه على الأرواح بالخروج إلى عالم الأرواح وترجيعه في الصف الأول بقرب روح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في الصف الذي يليه، وبتقدمه في قبول الفيض الإلهي وبتقدمه عند استخراج ذرات الذريات من صلب آدم في استخراج ذريته بإحضارها في الحضرة وبتقدمه في استماع خطاب
ألست بربكم
Página desconocida