1196

Tawilat

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

Regiones
Uzbekistán
Imperios y Eras
Shahs de Khwarazm

[الحجر: 29] فكذلك نعيده بجذبات العناية إلى الحضرة راجعا من حيث هبط عابرا على المنازل والمقامات التي كانت على قمره بقطع تعلق نظره إلى خواص هذه المنازل، وترك الانتفاع بها فإنها حال العبودية على هذه المنازل استعاد خواصها وبعض أجزائها منها لاستكمال الوجود الإنساني روحانيا جسمانيا، فصار محجوبا عن الحضرة فعند رجوعه إلى الحضرة بجذبة (ارجعي) يرد من كل منزل ما استعاد منه، فإن العارية مردودة إلى أن يعاد إلى العدم بلا أنانية بتصرف جبة العناية { إن ذلك على الله يسير } أي: على العبد العود إلى الله بلا جذبة العناية عسير غير ممكن.

[29.20-26]

وهذا الرجوع والعود معنى قوله: { قل سيروا في الأرض } أي: أرض الوجود الإنساني { فانظروا كيف بدأ الخلق } بالعبور على المنازل المذكورة من العدم كذلك الرجوع بالعبور عليها أن يعود إلى العدم { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } بعد انخلاعه عنه من كسوة الأنانية يلبس خلعة الهوية لاختصاصه بمنزلة الخلافة.

{ إن الله على كل شيء قدير } [العنكبوت: 20] إن الله قادر على أن يجعل المستقر لهذه الكرامة عند إظهار القهر لشر البرية { يعذب من يشآء } [العنكبوت: 21] بعذاب البعد والقطيعة والهجران { ويرحم من يشآء } [العنكبوت: 21] بتجرده عن كسوة الوجود، وتوقده بالوحدانية في الوصول والوصال { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض } [العنكبوت: 22] أرض البشرية { ولا في السمآء } [العنكبوت: 22] سماء الروحانية لاستجلاب مقامات قرب الملكوتية { وما لكم من دون الله من ولي } [العنكبوت: 22] تتولونه { ولا نصير } [العنكبوت: 22] يستخلصكم عن بطشه بجذبة العناية إذ لم يعرفوا قدر هذه النعمة الجسمية، بقوله: { والذين كفروا بآيات الله ولقآئه } [العنكبوت: 23] يشير إلى طائفة من أرباب الطلب وأصحاب السلوك العابرين على بعض المقامات، المشاهدين آثار شواهد الحق الكاشفين ببعض الأسرار، ثم أدركتهم القربة بحجاب العزة فابتلاهم الله للغيرة بالالتفات إلى الغير، فحجبوا بعد أن كوشفوا، واستتروا بعد أن تجردوا، واستدرجوا بعد أن رفعوا، وبعدوا بعد أن قربوا، وحاروا بعد أن كاروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

ثم أخبر على حالهم ومآلهم فقال : { أولئك يئسوا من رحمتي } [العنكبوت: 23] عند قسمة الرحمة على المرحومين دون المرجومين { وأولئك لهم عذاب أليم } [العنكبوت: 23] وهذا عذاب الطرد والهجران والقطيعة والحرمان.

ثم أخبر عن جواب قوم إبراهيم له بغير الصواب بقوله تعالى: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } [العنكبوت: 24] يشير إلى أن من شأن إبراهيم الروح أن يدعو تمرود النفس وقومه أي: صفاتها إلى الله ونهاهم عن عبادة الأوثان من الهوى والدنيا وما سوى الله، وأن من شأن نمرود النفس الأمارة بالسوء وصفاتها أن يجيبوه من لوم طبعهم وغاية سفههم بقولهم: { اقتلوه } بسيف الكفر والشرك وترك عبادة الله ولزوم عبادة غير الله، { أو حرقوه } بنار الشهوات والأخلاق الذميمة، فإن هاتين الحالتين أسباب هلاكه مودعة فأوقدوا عليه نار الشهوات والأخلاق الذميمة { فأنجاه الله من النار } [العنكبوت: 24] وجعلها عليه بردا وسلاما إذ أخلص جوهر الروحية من حرقة نار الشهوات والأخلاق، ومتعه بالخصائص المودعة فيها مما لم يكن في جبلة الروح مركوزا وكان به محتاجا في سيره، ولهذه الاستفادة بعث إلى أسفل سافلين القالب { إن في ذلك } [العنكبوت: 24] أي: في قصة إبراهيم وقومه { لآيات } [العنكبوت: 24] لعبرة { لقوم يؤمنون } [العنكبوت: 24] بحقائق القرآن وأسراره وأن له ظهرا وبطنا.

وبقوله: { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا } [العنكبوت: 25] يشير إلى ما هو من خصائص إبراهيم الروح إذا كان مؤيدا بالتأييد الإلهي وإلهامات الحق؛ إذ عاين ما هو من مصالحه ومفاسده ولغيره منها في الدنيا والآخرة، ويرى أحوال الآخرة كأحوال الدنيا عيانا، وأن تحدثها النفس نصيحة لها، كما قال { إنما اتخذتم } الهوى والدنيا معبودا بخصوصية الظلومية والجهولية التي أنتم مجبولون عليها { مودة } طبيعية { بينكم } أي: بين النفس وصفاتها وبين شهوات الدنيا في { الحياة الدنيا } أي من بقائكم في الدنيا { ثم يوم القيامة } [العنكبوت: 25] بعد الخروج عن الدنيا { يكفر بعضكم ببعض } [العنكبوت: 25] أي: يكفر النفس بشهوات الدنيا إذا شاهدت وبال استعمالها وخسران حرمانها عن شهوة الجنة { ويلعن بعضكم بعضا } [العنكبوت: 25] أي: ويلعن النفس على الدنيا أنها كانت سبب شقاوتها ويلعن الدنيا عليها.

كما قال صلى الله عليه وسلم:

" إن أحدكم إذا لعن الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لله "

{ ومأواكم النار } [العنكبوت: 25] يعني: مأوى النفس والدنيا { وما لكم من ناصرين } [العنكبوت: 25] في الخلاص من العذاب وبقوله: { فآمن له لوط } [العنكبوت: 26] يشير إلى إيمان لوط القلب لأجله أي لعلاج إبراهيم الروح؛ لأنه لا يتخلص من أذى نمرود النفس وصفاتها إلا بعد إيمان القلب؛ لأن بنور الإيمان تندفع ظلمات النفس وصفاتها عن الروح فيستعد للمهاجرة إلى الله وذلك قوله: { وقال إني مهاجر إلى ربي } [العنكبوت: 26] وهجرته إلى ربه بقطع تعلقاته عما سوى الله { إنه هو العزيز الحكيم } [العنكبوت: 26] أي: إن الله هو أعز من أن يصل إليه أحد إلا بعد مفارقته عن غيره { الحكيم } [العنكبوت: 26] الذي لا يقبل بمقتضى حكمته إلا طيبا من لوث أنانيته كما قال صلى الله عليه وسلم:

Página desconocida