Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
وذلك أن الله تعالى خلق آدم وبنيه، وجعلهم خلفاء في الأرض، كما قال:
ويجعلكم خلفآء الأرض
[النمل: 62] وهذا أحد كرامة بني آدم، ومن شرط الخلافة أن يكون المستخلف يستجمع أوصاف المستخلف بالنيابة إلا ما اختص به المنوب بالأصالة مثل القدم والأحدية والصمدية والسلامة عن كل عيب ونقصان، فالروح خليفة الله وهو مجمع صفاته الذاتية له كالحياة والقدرة، والسمع والبصر والكلام، والعلم والإرادة والبقاء، والجسد خليفة الروح وهو مجمع صفاته باجتماعها في الروح علمنا أنه خليفة الله، وبذلك علمنا أن الجسد خليفة الروح لأنا وجدنا الجسد قبل اتصال الروح به وبعد انفصاله عنه خاليا عن هذه الصفات علمنا أنه بخلافة الروح اتصف بهذه الصفات، ولو لم يكن الروح متصفا بهذه الصفات لخلافة الحق تعالى لم يكن الجسد بها متصفا فبقي أن الروح باق أبدا، والجسد فان.
قلنا: وذلك لأن البقاء الأبدي من خاصية الروح فهو مختص به بالأصالة دون خليفته، كما أن الله تعالى اختص بالبقاء الأزلي والأبدي بالأصالة دون خليفته وهو الروح؛ فإنه حادث أبدي دون أزلي.
ثم اعلم أن الأرواح كلها خلقت من روح النبي صلى الله عليه وسلم وأن روحه أصل الأرواح، وإنها كما كان آدم ولهذا سمي أميا؛ أي: إنه أم الأرواح، فكما كان آدم عليه السلام أبا البشر فكان النبي صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح، وإنها كما كان آدم أبا حواء وأمها وذلك أن الله تعالى لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم:
" كان الله ولم يكن معه شيء "
إلا روحه، وما كان شيء آخر ينسب روحه إليه أو يضاف إليه غير الله، فلما كان روحه أول باكورة أثمرها الله تعالى بإيجاده من شجرة الوجود، وأول شيء تعلقت به القدرة وشرفه بتشريف إضافته إلى نفسه فسماه
روحي
[الحجر: 29] كما سمي أول بيت من بيوت الله وضع للناس، وشرفه بالإضافة إلى نفسه، فقال: { بيتي } ، ثم حين أراد أن يخلق آدم سواه ونفخ فيه من روحه أي: من الروح المضاف إلى نفسه وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم كما قال:
Página desconocida