42

قال ثم يعود أيضا فيصلي ورده كمثل ورده الليلة الثانية ثم يخرج فلا يرى الصبح فيزيده ذلك إنكارا ويخالطه الخوف ويظن في ذلك الظنون من الشر ثم يقول فلعلي خففت قراءتي أو قصرت صلاتي أو قمت من أول الليل ثم يعود أيضا الثالثة وهو وجل مشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة فيصلي أيضا مثل ورده الليلة الثالثة ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف ويستخفه البكاء ثم ينادي بعضهم بعضا وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون فيجتمع المتهجدون من أهل كل بلدة إلى مسجد من مساحدها ويجأرون إلى الله عز وجل بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة والغافلون في غفلتهم حتى إذا ما تم لهما مقدار ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين أتاهما جبرئيل فيقول إن الرب عز وجل يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور قال فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت وخوف يوم القيامة

قال فبينا الناس ينتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خلف أقفيتهم من المغرب أسودين مكورين كالغرارتين ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك فيتصايح أهل الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها والأحبة عن ثمرة قلوبها فتشتغل كل نفس بما أتاها قال فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك لهم عبادة وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك عليهم خسارة قال فيرتفعان مثل البعيرين القرينين ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقا حتى إذا بلغا سرة السماء وهو منصفها أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردهما إلى المغرب فلا يغربهما في مغاربهما من تلك العيون ولكن يغربهما في باب التوبة

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله فما باب التوبة قال يا عمر خلق الله عز وجل بابا للتوبة خلف المغرب مصراعين من ذهب مكللا بالدر والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب ثم ترفع إلى الله عز وجل

قال معاذ بن جبل بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما التوبة النصوح قال أن يندم المذنب على الذنب الذي أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع قال فيرد جبرئيل بالمصراعين فيلأم بينهما ويصيرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صدع قط فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الإسلام إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك قال فذلك قوله عز وجل يوم يأتي بعض أيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ( 1 )

فقال أبي بن كعب بأبي أنت وأمي يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا فقال يا أبي إن الشمس والقمر بعد ذلك يكسيان النور والضوء ويطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الأنهار ويغرسوا فيها الشجر ويبنوا فيها البنيان وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور

Página 51