785

ولا خلاف بيننا وبين أصحاب أبي حنيفة أن الاعتكاف إذا كان تطوعا، جاز للمعتكف أن يعود المريض، ويشهد الجنازة، فكذلك إذا كان الاعتكاف واجبا، والمعنى أن كل واحد منهما اعتكاف صحيح، فوجب أن لا يفسد بهما.

ومما يؤكد هذا القياس أنا وجدنا كل ما يفسد الاعتكاف إذا كان واجبا، أفسده إذا كان تطوعا، وهذا مما يمكن أن يحرر، ويجعل قياسا.

فأما الخروج من المسجد لقضاء الحاجة على الوجه الذي ذكرنا فمما لا اختلاف فيه.

مسألة: [فيما يجوز للمكلف فعله]

قال: ولا بأس للمعتكف أن يتزوج، ويزوج غيره، ويشهد على التزويج، ولكن لا يدخل بأهله، ولا بأس أن يكتحل، ويدهن، ويتطيب بأي طيب شاء، من مسك أو غيره، ويستحب له أن لا يبيع، ولا يشتري، ولا يشتغل عن ذكر الله، وله أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، بلسانه، ويده.

وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (1).

ووجه ما ذكرنا من جواز هذه الأمور للمعتكف أنها أمور أبيحت له قبل الاعتكاف، ولم يدل الدليل [على] (2) أنها صارت محظورة بالاعتكاف، فهي على ما كانت عليه.

وقلنا: لا يدخل بأهله؛ لأن الدخول بأهله، إما أن يكون جماعا، وهو مفسد للاعتكاف بالإجماع ونص التنزيل، أو يكون خلوه معها في بيت على وجه /155/ المكث، وهو ينافي اللبث، الذي هو الاعتكاف.

واستحببنا له أن لا يبيع، ولا يشتري؛ لأن موضع الاعتكاف للتفرغ للعبادة، فاستحببنا له أن يتوفر عليها، ويقل اشتغاله بأمر الدنيا.

وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما من أعظم الطاعات، والفروض، والتوفر عليهما(3) من أعظم القرب إلى الله تعالى، فلذلك قلنا إن للمعتكف أن يأتي منهما ما أمكنه.

مسألة: [في من جعل على نفسه ألا يكلم أحدا في اعتكافه، ما عليه؟]

قال: ومن جعل على نفسه أن لا يكلم أحدا في اعتكافه، فينبغي له أن يحنث، ويطعم عشرة مساكين.

Página 287