802

عليك أيها الموحد المحمدي، المنجذب نحو الحق، المنخرط في سلوك أرباب التوحيد الملقبين بأنصار الله، المهاجرين عن كورة بقعة الناسوت نحو مدينة الوحدة اللاهوتية، وسواد أعظم الفقر - أعانك الله إلى أن تصل أقصى مرامك، وأعلى مقامك من المعرفة والتوحيد - أن تجمع همك، وتشمر ذيلك لسلوط سبيل الفناء من طريق الموت الإرادي المثمر للفناء المطلق عن الفناء أيضا؛ لتفوز بالبقاء الأزلي السرمدي، ألا وهي طريقة الحضرة الختمية المحمدية، المبعوث إلى كافة البرية؛ لبيان طريق التوحيد الذاتي، المسقط لجميع الكثرات؟!

فلك أن تصفي سرك وضميرك عن نقوش مطلق المعتقدات، وصور عموم الرسوم والعادات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية، وتقتفي أثر نبيك صلى الله عليه وسلم أمثال الحواريين أثر نبيهم بلا شوب وريب؛ لينكشف لك طريق المعرفة واليقين بعد توفيق الله، وجذب من جانبه، وطول خدمته الشريفة النبوية، والنواميس المصطفوية، وإياك إياك الالتفات إلى الدنيا وما فهيا، ليمكن لك التصفية والتخلية التي هي مقدمة الكشف والشهود.

هدانا الله إلى سبيل توحيده بفضله وطوله.

[62 - سورة الجمعة]

[62.1-5]

لذلك { يسبح } ويقدس { لله } الواحد الأحد، المنزه عن مطلق التحديد مظاهر { ما في السموت وما في الأرض } تسبيحا وتقديسا، مقرونا بكمال التذلل والخضوع إلى الملك { الملك } المتسلط بالاستيلاء التام، والسلطنة القاهرة الغالبة على مملكة الوجود { القدوس } المنزه الطاهر ذاته عن سمة الحدوث، ووصمة الإمكان { العزيز } الغالب على عموم المقدورات بكمال الاستيلاء والاستقلال { الحكيم } [الجمعة: 1] المقتن في مطلق التدابير الجارية في عالم التصاوير بلا فتور وقصور.

{ هو الذي بعث } بمقتضى كمال قدرته وحكمته { في الأميين } المنسلخين عن مطلق الإملاء والإنشاء المشعر بالتدبر والتفكر بمقتضى العقل الفطري الموهب لهم من حضرة العليم الحكيم { رسولا } أميا أمثالهم، ناشئا { منهم } وأيده بروح القدس بعدما أصفاه من دنس الجهل، واصطفاه من بين الملل، وفضله على جميع أرباب النحل، وجعله في كمال المعارف والحقائق الإلهية، بحيث { يتلوا عليهم } عموم { آياته } الدالة على وحدة ذاته، وعلى كمال أسمائه وصفاته { ويزكيهم } عن مطلق النقائض والآثام المنافية لدين الإسلام، المبين للتوحيد الذاتي.

{ و } بالجملة: { يعلمهم } بمقتضى الوحي الإلهي { الكتاب } أي: القرآن الجامع لما في الكتب السالفة من الحكم والأحكام على أبلغ بيان، وأبدع نظام { والحكمة } أي: الأحكام الشرعية المنزلة من عند العليم الحكيم العلام { وإن كانوا من قبل } أي: وإنهم كانوا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم { لفي ضلال مبين } [الجمعة: 2] وغواية ظاهرة؛ لأنهم كانوا على فترة من الرسل.

{ و } لم يختص بعثته صلى الله عليه وسلم بالأميين من الأعراب الموجودين عند بعثته صلى الله عليه وسلم بل يعم { آخرين منهم } أي: من عموم المكلفين { لما يلحقوا بهم } أي: حين يتبعوا بالأولين إلى يوم القيامة؛ إذ ختم ببعثته صلى الله عليه وسلم أمر البعثة ، وكمل عند ظهوره صلى الله عليه وسلم بنيان الدين القويم الذي هو صراط التوحيد الذاتي { وهو } سبحانه { العزيز } الغالب على عموم التقادير { الحكيم } [الجمعة: 3] المطلق في جميع الأفعال والتدابير.

{ ذلك } أي: التوحيد الذايت الذي ظهر به صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين { فضل الله } العزيز الحكيم { يؤتيه من يشآء } من عباده بلا سبق الوسائل والأسباب العادية { والله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { ذو الفضل العظيم } [الجمعة: 4] الذي لا يكتنه وصف فضله وطوله أصلا.

Página desconocida