741

ومن كمال كرامتهم ونجابتهم: { إذ دخلوا عليه } وحضروا عند بلا استئذان { فقالوا } ترحيبا وتكريما: { سلاما } أي: نسلم سلاما عليك { قال } إبراهيم عليه السلام في جوابهم ظهارا، وإن أنكر عليهم خفية بدخولهم بلا استئذان: { سلام } عليكم، عدل إلى الرفع لقصد الدوام والثبات؛ ليكون رده أكمل من تسليمهم، وهو عليه السلام، وإن بادر إلى رد تسليمهم، إلا أنه أضمر في نفسه الإنكار عليهم، فقال في سره: هؤلاء { قوم منكرون } [الذاريات: 25] لا أعرف نفوسهم ولا أمرهم.

{ فراغ } أي: عدل، مال عنهم فجأة خفية منهم { إلى أهله فجآء بعجل سمين } [الذاريات: 26] إذ كان أغلب مواشيه البقر، فذبحه وطبخه { فقربه إليهم } نزلا، فأبوا عن أكله، فعرض عليهم، وحثهم على الأكل كما هو عادة أرباب الضيافة؛ حيث { قال ألا تأكلون } [الذاريات: 27] منه، فلم يأكلوا بعد العرض والإذن أيضا.

ثم لما رأى منهم ما رأى من الامتناع عن طعامه { فأوجس } وأضمر الخليل في نفسه { منهم خيفة } خوفا ورعبا منه، ظنا منه أنه إنما امتنعوا من طعامه، ليقصدوا له سوءا، ثم لما تحسسوا منه ما تحسسوا من الرعب المفرط { قالوا } له إزالة لرعبه: { لا تخف } منا، ولا تحزن عن امتناعنا من الأكل، إنا لسنا ببشر، بل نحن ملائكة منزهون عن الأكل، مرسلون من عند ركم لأمر عظيم.

قيل: مسح جبريل العجل المشوي فحيي، فقام يدرج ويدب حتى لحق بأمه، وبعدما رأى منهم إبراهيم ما رأى، وسمع ما سمع، أمن منهم { و } بعدما أمنوه وأزالوا رعبه { بشروه بغلام } إذ لم يكن له ابن يخلف عنه، وكانت امرأته عجوز عقيمة { عليم } [الذاريات: 28] في كمال الرشد والفطنة، وهو إسحاق عليه السلام.

وبعدما سمع إبراهيم منهم البشرى أخبر به امرأته، ثم لما سمعت ما سمعت استحالت واستبعدت { فأقبلت امرأته } سارة إليهم { في صرة } صرير وضجة { فصكت } ولطمت { وجهها } بأطراف أصابعها { وقالت } مشتبكة: أنا { عجوز عقيم } [الذاريات: 29] عاقر، كيف ألد ابنا سيما بعد انقضاء أوانه وانصرام زمانه؟!

ثم لما شاهدوا منها ما شاهدوا { قالوا } لها: { كذلك } أي: مثل ذلك الذي نخبرك ونبشرك { قال ربك } وما علينا إلا البلاغ، والأمر بيد الله { إنه هو الحكيم } في عموم أفعاله وآثاره { العليم } [الذاريات: 30] بمطلق تدابيره وتقاديره.

[51.31-51]

وبعدما جرى منهم ما جرى، أخذ إبراهيم عليه السلام يسأل عن سبب نزولهم وإرسالهم { قال فما خطبكم } وشأنكم الذي جئتم لأجله { أيها المرسلون } [الذاريات: 31].

{ قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } [الذاريات: 32] أقبح الجرائم وأفحش المنكرات؛ يعنون: قوم لوط عليه السلام المبالغين في الفعلة الشنيعة، والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والفحش.

وإنما أرسلنا { لنرسل عليهم حجارة } متحجرة { من طين } [الذاريات: 33] يريد منه السجيل المركب من الحجر المسحوق مع الطين، { مسومة } معلمة كل منها باسم من رمي بها { عند ربك } لتكون جزاء { للمسرفين } [الذاريات: 34] الذين أسرفوا في الخروج عن متقضى الحدود الإلهية، وعن الطريقة المعتادة لحكمة الإيلاد والاستيلاد.

Página desconocida