740

{ آخذين مآ آتاهم } وأعطاهم { ربهم } تفضلا عليهم، وتكريما على وجه الرضاء بجميع ما جرى عليهم من مقتضيات قضائه { إنهم كانوا قبل ذلك } الفضل واللطف من النشأة الأولى { محسنين } [الذاريات: 16] الأدب مع الله ورسله، وخلص عباده العاكفين ببابهز

ومن جملة إحسانهم: إنهم { كانوا } في دار الابتلاء { قليلا من الليل ما يهجعون } [الذاريات: 17] أي: يرقدون قليلا من ساعات الليل، وذلك أيضا بسبب ألا يعرضهم الكلال العائق من المواظبة على الطاعات.

{ و } هم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم وخشوعهم { بالأسحار } المعدة للتوجه والاستغفار { هم يستغفرون } [الذاريات: 18] دائما، كأنهم يرون أنفسهم قاصرة عن رعاية حقوق العبودية على ما ينبغي، لذلك يبالغون في الإنابة والاستغفار.

{ و } كان { في أموالهم } وأرزاقهم المسروقة إليهم من قبل الحق { حق } حظ ونصيب مفروض مقدر، يستوجبونه على أنفسهم { للسآئل } السائر في سبيل الله، المتعرض للسؤال مقدار ما يحتاج إليه { والمحروم } [الذاريات: 19] المتعفف عن ذل السؤال، المتمكن في زايوة التوكل والتفويض.

ثم أشار سبحانه إلى حيطة وحدته الذاتية، وشمولها على عموم ما ظهر وبطن في الآفاق والأنفس بالاستقلال والانفراد، وسر سريان هويته الذاتية على ذرائر الكائنات، تنبيها للمريد المستبصر، وإيقاضا لهم عن سنة الغفلة ونعاس النسيان، فقال: { وفي الأرض } أي: عالم المسببات، والاستعدادات المعبرة بالآفاق المعدة لظهور آثار القدرة الكاملة الإلهية من العجائب والغرائب، المتفرعة على كمال العلم، ووفور الحكمة المتقنة آيات دلائل واضحات وشواهد لائحات دالة على قدرة الصانع الحكيم، ووحدة ذاته، واختياره في مطلق تصرفاته، واستقلاله في حكمه ومصالحه { للموقنين } [الذاريات: 20] المنكشفين باليقين العلمي والعيني والحق.

بل { وفي أنفسكم } أيضا أيها المستبصرون، المستكشفون عن سرائر الألوهية وأسرار الربوبية شواهد ظاهرة تشهد على حقية الحق، وتوحده في ظهوره ووجوده { أفلا تبصرون } [الذاريات: 21] أيها المجبولون على فطرة الكشف والشهود.

{ و } كذا { في السمآء } أي: عالم الأسماء، والأسباب المعبرة عنها بالأعيان الثابتة { رزقكم } أي: أرزاقكم الصورية والمعنوية، المبقية لأشباحكم وأرواحكم { وما توعدون } [الذاريات: 22] من الآجال المقدرة، والجزاء المترتب على الأعمال والأفعال الصادرة عن هوياتهم الباطلة في نشأتكم الأولى، وحالاتكم الواقعة فيها.

ثم أقسم سبحانه تأكيدا لما أومأ، فقال: { فورب السمآء والأرض } أي: وحق موجدهما، ومربيهما على هذا النمط البديع والنظم الغريب { إنه } أي: ما يستدل بإيجادهما، وإظهارهما على وجوده سبحانه وكمال قدرته، ووفور حكمته، ومتانة حكمه { لحق } ثابت محقق حقيق بالحقية، وحيد بالقيومية، فريد بالديمومية، لا يعرضها زمان، ولا يعتريها كلال.

وهو في حقيته وتحققه { مثل مآ أنكم تنطقون } [الذاريات: 23] أي: كمال لا شبهة لكم في تنطقكم، وتلفظكم بالكمالات المنطوقة، كذلك لا شبهة في حقية الحق وظهوره، بل هو أظهر من كل شيء ظاهر، وأجلى من كل جلي، بل الكل إنما يظهر به وبظهوره، إلا إنكم بغيوم تعيناتكم الباطلة وظلام هوياتكم العاطلة، تسترون شمس الحق الظاهر في الآفاق بكمال الكرامة والاستحقاق.

ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم الخليل، المتحقق بمقام الكشف والشهود، النازلة من عنده سبحانه من كمال المحبة والإخلاص والخلة والاختصاص مع ضيفه من الملائكة المكرمين، فقال مستفهما لحبيبه صلى الله عليه وسلم على سبيل العبرة والتذكير { هل أتاك } وصل إليكم يا أكمل الرسل { حديث ضيف إبراهيم } وقصة إلمام الملائكة نزولهم عنده على صورة الأضياف { المكرمين } [الذاريات: 24] لكرامتهم، وحسن صورتهم وسيرتهم.

Página desconocida