Comentario sobre El Sendero de la Elocuencia
شرح نهج البلاغة
Investigador
محمد عبد الكريم النمري
Editorial
دار الكتب العلمية
Número de edición
الأولى
Año de publicación
1418 AH
Ubicación del editor
بيروت
قال : ومن قال : علام ؟ فقد أخلى منه ؛ وهذا حق ؛ لأن من تصور أنه تعالى على العرش ، أو على الكرسي ، فقد أخلى منه غير ذلك الموضع . وأصحاب تلك المقالة يمتنعون من ذلك ، ومراده عليه السلام إظهار تناقض أقوالهم ؛ وإلا فلو قالوا : هب أنا قد خلينا منه غير ذلك الموضع ، أي محذور يلزمنا ؟ فإذا قيل لهم : لو خلا موضع دون موضع لكان جسما ، ولزم حدوثه ، قالوا : لزوم الحدوث والجسمية إنما هو من حصوله في الجهة لا من خلو بعض الجهات عنه ؛ وأنتم إنما احتججتم علينا بمجرد خلو بعض الجهات منه ، فظهر أن توجيه الكلام عليهم إنما هو إلزام لهم ، لا استدلال على فساد قولهم .
فأما القطب الراوندي فإنه قال في معنى قوله : نفي الصفات عنه : أي صفات المخلوقين ، قال : لأنه تعالى عالم قادر ، وله بذلك صفات ، فكيف يجوز أن يقال : لا صفة له ! وأيضا فإنه عليه السلام قد أثبت لله تعالى صفة أولا ، حيث قال : الذي ليس لصفته حد محدود ، فوجب أن يحمل كلامه على ما يتنزه عن المناقضة .
وأيضا فإنه قد قال فيما بعد في صفة الملائكة : إنهم لا يصفون الله تعالى بصفات المصنوعين ، فوجب أن يحمل قوله الآن : وكمال توحيده نفي الصفات عنه ، على صفات المخلوقين ، حملا للمطلق على المقيد .
ولقائل أن يقول : لو أراد نفي صفات المخلوقين عنه لم يستدل على ذلك بدليل الغيرية ، وهو قوله : لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، لأن هذا الاستدلال لا ينطق على دعوى أنه غير موصوف بصفات المخلوقين ، بل كان ينبغي أن يستدل بأن صفات المخلوقين من لوازم الجسمية والعرضية ، والبارئ ليس بجسم ولا عرض ، ونحن قد بينا أن مراده عليه السلام إبطال القول بالمعاني القديمة ، وهي المسماة بالصفات في الإصطلاح القديم ، ولهذا يسمى أصحاب المعاني بالصفاتية . فأما كونه قادرا وعالما فأصحابها أصحاب الأحوال ، وقد بينا أن مراده عليه السلام بقوله : ليس لصفته حد محدود ، أي لكنهه وحقيقته ، وأما كون الملائكة لا تصف البارئ بصفات المصنوعين فلا يقتضي أن يحمل كل موضوع فيه ذكر الصفات على صفات المصنوعين ، لأجل تقييد ذلك في ذكر الملائكة ، وأين هذا من باب حمل المطلق على المقيد ! لا سيما وقد ثبت أن التعليل والاستدلال يقضي ألا يكون المراد صفات المخلوقين .
وقد تكلف الراوندي لتطبيق تعليله عليه السلام نفي الصفات عنه بقوله : لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، بكلام عجيب ؛ وأنا أحكي ألفاظه لتعلم ؛ قال : معنى هذا التعليل أن الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل ، والفاعل غير الفعل ؛ لأن ما يوصف به الغير إنما هو الفعل أو معنى الفعل ، كالضارب والفهم ؛ فإن الفهم والضرب كلاهما فعل ، والموصوف بهما فاعل ، والدليل لا يختلف شاهدا وغائبا ؛ فإذا كان تعالى قديما وهذه الأجسام محدثة كانت معدومة ثم وجدت ، يدل على أنها غير الموصوف بأنه خالقها ومدبرها ، انقضى كلامه . وحكايته تغني عن الرد عليه .
Página 53