Rihla
وفيها النعال الكثيرة مستعدة للبيع قبل أوانه ، مدخرة لزمانه ، غير أنها غالة الأثمان ، وبعد امتثال الناس أوامر الرحمان ، انفصلنا في غاية المنة والفضل والشكر لله تعالى لما وصلنا إلى ميقات الإحرام فلم يعقنا عائق ، ولا أرهقنا شيء مانع غير لائق ، فانفصل الكل بالتلبية والإحرام ، مع الخضوع والخشوع والدعاء لجميع الأنام ، بالتقشف والتذلل للرب الكريم شعثا غبرا منكثين الرءوس ، فرارا من غضب الله والمقت والباس والبوس ، يطلب جميعنا رحمة المنان ، والمغفرة والعفو من الرحمان ، قد أصابنا شدة الحر ، حتى انسلخ الجلد عن الرأس والظهر ، فما أرعوى أحد بذلك ، ولا رجع وانزجر بما هنالك ، لعل الله أن ينظر إلينا بعين الرحمة ، ويغمس جميعنا في بحر النعمة ، حشاه من كريم أن لا يمن على وفده بجنة الرضوان بذهابه وعوده ووقت انفصالنا عنه بعد صلاة العصر بمدة بل قبل الاصفرار سائرين فصلينا المغرب ثم كذلك إلى أن صلينا العشاء كذلك ساعة طويلة نزلنا فبتنا خير مبيت وأقمنا ليلا فارتحلنا في مدة من الليل ننتظر الصبح إلى أن صليناه ثم كذلك وكان ذلك اليوم يوم حر شديد بحيث لا يقدر الإنسان أن يقف للشمس حتى أصاب الحر كثيرا من الناس فحملهم ذلك على أن غطوا رؤوسهم لأن الدين يسير ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه والله تعالى يقول : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) إلا جماعة الأفاضل فلم يغط أحد رأسه وهو الفاضل سيدي احمد الطيب ومثله سيدي أحمد بن حمود وسيد محمد الشريف الطرابلسي والفقيه سيدي أحمد عياض وسيدي محمد بن خثوش (1) رحمه الله وأصحاب الجميع كالأشراف منا وكذا أهل وطننا فلو غطينا رءوسنا ما بقي أحد إلا غطى رأسه وأما أمير الركب فقد غطى رآه وكذا جميع من كان معه من كبار الركب وبالجملة فلما اشتد الحر علينا غطى جل الناس رؤؤسهم لقيام العذر بل كاد أن يكون ما فعلناه من عدم التغطية أن يكون منهيا عنه نعم ثم سرنا كذلك في تلك
Página 445