قال الراوي: وكان الضحاك قد خرج مع سادات قومه إلى رابية عالية هناك قريبة من الحي وجلس عليها. قال: فبينما هو ينظر يمينا وشمالا إذ لاح هودج عال بين أحمال وأجمال وخيل وبغال، والهودج سائر بينهم وقد أحاطوا به من كل جانب ومكان. قال وكان عند المقداد مال عظيم ما حواه أحد غيره، فقال جابر لمن عنده: يا قوم إني أرى ظعنا سائرا مقبلا علينا وجمالا كثيرا فما يكون هذه الظعينة؟ قالوا له: لا نعلم.
فقال جابر: يا قوم إن كان صدق ظني وصح نظري وأيقنت جوارحي، فإن المقداد قد طاح بالقوم الذين كانوا مع المياسة لا محالة وسوف ترون صحة قولي. فما كان غير ساعة إلا وقد وصل المقداد إليهم.
فلما قرب منهم سلم عليهم فردوا عليه السلام، فرحب بهم جابر وحياه وأخذ بزمام ناقة المياسة يقودها، وساروا جميعا في خدمة المقداد والمياسة حتى وصلوا الحي وبقوا جالسين يتحدثون مع المقداد.
قال: وبعد ذلك قدموا الطعام فأكلوا وبقوا بعد ذلك يتحدثون، فقال جابر: يا مقداد أين تركت شدقم بن الرباح السنبسي وأصحابه؟
فقال: لا تسأل عن حالهم، لقد تركتهم طعما للوحش والسباع والطيور في برية قفراء ومهمة غبراء موحشة مغبرة معطشة ليس فيها خسيس ولا أنيس غير الطيور رغمة على ناقض العهود. قال: فلما سمع جابر ذلك من المقداد عظم عليه وكبر لديه وقال: يا مقداد، وحقك ما زوجت المياسة لمالك بن الرباح وما قدمت على هذه الفعال إلا بعدما قطعت اليأس وانقطعت أخبارك عنا، وقالوا إن المقداد قد هلك من الجوع في البر.
فعند ذلك جاء مالك وبذل إلينا الأموال فزوجته المياسة، والآن والحمد لله على سلامتك أريد أن تمهلني حتى أعمل وليمة عظيمة وأحضر إليها القاصي والداني والقريب والبعيد. وكان ذلك حيلة من جابر وخديعة يريد أن يوقع المقداد فيها والمقداد غافل. فقال المقداد: ما تريد يا جابر هذا المال بين يديك خذ منه ما شئت.
قال الراوي: وكان قلب جابر يغلي على المقداد كما يغلي القدر على النار، ثم إن جابر وثب قائما على قدميه، ومضى إلى بيته وهو يرتعد من الغيظ، فأمر بإحضار دواة وقرطاس وكتب كتابا إلى مالك بن الرباح يقول في كتابه: «يا مالك حين وصول كتابي إليك تأتي مسرعا إلي حتى أسلم إليك المقداد والمياسة تفعل بهما ما تريد؛ لأن المقداد قتل أخاك وأصحابه.» ثم طوى الكتاب وسلمه بعض غلمانه وقال: امض إلى مالك بن الرباح السنبسي. قال ناقل الحديث فصار الغلام ثلاثة أيام وكان اليوم الرابع فوصل الغلام إلى مالك وسلمه الكتاب ففتحه وقرأه وفهم معناه، قال فأخذته الحمية والغيرة الأخوية، ثم بكى ساعة على أخيه شدقم، فلما سكن غيظه التفت إلى قومه وعشيرته وحدثهم بما كتب إليه جابر الكندي قالوا: نعم الرأي. فعند ذلك قال لهم مالك: تأهبوا للمسير إلى حي بني كندة، فركب الفرسان وتنادت الشجعان ولم يزل سائرا حتى وصل إلى حي بني سلم وكان قريبا من حي بني كندة، وكمن خلف جبل هناك وأرجل رجلا من أصحابه يخبر جابرا بقدومه.
فلما وصل الخبر إلى جابر تهلل وجهه فرحا وسرورا، ثم سار إلى مالك وتلقاه بالترحيب والكرامة، وسار مالك وأصحابه مع جابر حتى وصلوا إلى الحي، فأجلسهم بمجالس الضيافة وعقر لهم الشعائر ونحر لهم الذبائح وعمل لهم الطعام وأحضر القاصي والداني، قال: ثم إن جابرا نهض إلى المقداد وأحضره إلى الضيافة مع مالك وقال: يا مقداد، أعلم أنك قتلت شدقم وأصحابه، والآن ورد علينا أخوه مالك وقد حضر عندنا، ومن أتى إليك وقع حقه عليك، فالواجب أن تقوم وتدخل عليه وتقبل يديه وتأخذ بخاطره. وقال: فلما سمع كلام جابر أجابه إلى ذلك وما خالفه بشيء كل ذلك لأجل خاطر المياسة، فنهض المقداد وجابر معه ودخل على مالك السنبسي، فأخذ يد مالك وقبلها وجلس بجانبه وأخذ بخاطره واعتذر، فلما استقر بهم الجلوس ودارت بينهم الكاسات والطاسات وأكثروا عليه من الخمر، قال فعند ذلك دار السكر في رءوسهم ولعب الشيطان في نفوسهم، قال فلما علم أن المقداد قد طاح في سكره
1
والمقداد لا يعلم ما أضمروا له.
Página desconocida