Historia de la Filosofía Moderna
قصة الفلسفة الحديثة
Géneros
هكذا يريد «بيكون» أن نستقصي ظواهر الكون واحدة بعد أخرى، فنتعرف عللها وطبائعها، وهذه الدراسة هي أولى مراتب الفلسفة ونعني بها دراسة الطبيعة.
ولكن لا ينبغي أن نقتصر على علم الطبيعة هذا (الفيزيقا)، بل يجب أن ننتقل منه إلى مرتبة الأسباب العليا والقوانين العامة - إلى ما وراء الطبيعة - إلى الميتافيزيقا، وهي عند بيكون نتيجة للعلوم الطبيعية تجيء بعدها وتتولد منها، فإن كانت «الفيزيقا» تعلمنا أن الحرارة نتيجة الحركة ، فإن الميتافيزيقا ترينا طبيعة الحركة نفسها، وتبين لنا كيف تتشعب الحركة إلى شعب مختلفة، فمنها يكون الكون والفساد، ومنها تنشأ الحرارة ويتولد الضوء، والميتافيزيقا هي العلم الذي يفرض في الطبيعة عقلا وتدبيرا.
ثم يصعد بيكون إلى مرحلة ثالثة أعلى من السابقتين، فهو يحس أن هذا الكون على تعدد ظواهره لا بد أن يكون متحدا آخر الأمر يسير كله على قواعد واحدة، فهو يرى أن فوق الميتافيزيقا علما أسمى منها هو الذي تنبت منه كل العلوم على اختلافها، ألا وهو البديهيات التي تكون صحيحة في أي علم. مثال ذلك البديهية القائلة إنه إذا أضيفت أجزاء متساوية، إلى أجزاء غير متساوية كانت المجموعات غير متساوية، فهذه قاعدة صحيحة في الرياضة، وهي صحيحة في العدد وفي سائر العلوم، وقل مثل ذلك في البديهيات كلها.
تتلخص طريقة «بيكون» إذن في هاتين الخطوتين: جمع الأمثلة ما أمكن الجمع، ثم تنظيمها وتبويبها وتحليلها وإبعاد ما يظهر منها أن ليس له بالظاهرة المبحوثة علاقة علة ومعلول، وهكذا يمكننا أن نصل إلى «صورة» الظاهرة التي بين أيدينا، وصورة الشيء عند بيكون هي قانونه كما سبق القول.
ولا يقف «بيكون» بفلسفته عند حد إيجاد الصور، بل لا بد بعد هذا كله من تطبيق هذا العلم الذي ظفرنا به على الحياة العملية، فإن المعرفة التي لا تنتج عملا تكون ميتة جامدة ليست خليقة بالإنسان، فنحن نبذل هذا المجهود في تحصيل المعرفة لا لتكون غاية في ذاتها، ولكن لنتمكن بمعرفة قوانين الأشياء من تشكيل الأشياء وتوجيهها كما نحب ونشتهي. فنحن ندرس الرياضة مثلا لتكون وسيلة لحساب الكميات التي تقتضي الحياة حسابها، ولكي نستعين بها على بناء الدور والجسور وسائر أسباب المدنية، وندرس علم النفس لعلنا بدراسته نستطيع أن نشق لأنفسنا طريقا سويا في المجتمع الذي نعيش فيه؛ لأن تفاهم الأفراد يكون على أتمه حين يفهم الناس بعضهم بعضا فهما صحيحا. وإذا استطاع العلم أن يكشف لنا عن صور الأشياء كلها أصبحت الدنيا في قبضة أيدينا نصوغها كما نشاء، ونكون لأنفسنا المدينة الفاضلة الكاملة التي ما فتئ ينشدها الإنسان منذ صار إنسانا. (6) مدينة العلم الفاضلة
نعم إن نحن أخذنا بيد العلم فسرنا به في الطريق السوي، وملكنا زمامه وبسطنا عليه سلطاننا كان ذلك كفيلا بالمدينة الفاضلة التي تسمو فيها الجماعة الإنسانية إلى مرتبة الكمال. ويصور لنا «بيكون» تلك المدينة الفاضلة التي نستطيع أن ننتهي إليها بمعونة العلم في آخر كتاب أخرجه للناس وعنوانه «أطلانطس الجديدة
The New Atlantis » وقد نشره قبل وفاته بعامين، وعنه يقول ولز الكاتب الإنجليزي المعروف «إنه أجل خدمة أداها بيكون للعلم.»
صور «بيكون» في هذا الكتاب جماعة يسيطر عليها العلم، تسكن جزيرة نائية أطلق عليها اسم أطلانطس، وقد شاء له خياله أن يكون موقعها في أقصى المحيط الهادي حتى يبعد بها ما استطاع عن أوروبا، وحتى يرسل في وصفها الخيال إرسالا لا يحول دونه شيء. وهاك القصة موجزة:
لقد أقلعت بنا السفن من «بيرو» آخذة سمتها ناحية الصين واليابان، فما احتوتها أمواه المحيط حتى خيم السكون، وانبسط سطح الماء صقيلا كالمرآة، لا تعلو فوق صدره موجة واحدة، فبقيت السفائن بضعة أسابيع جاثمة لا تهتز، ولا تتحول، حتى كاد ينفد زادنا، وعندئذ انفرجت أطباق السماء فجأة عن ريح صرصر عاتية عصفت بنا، فدفعت فلكنا دفعا عنيفا، وأخذت تمعن بنا ناحية الشمال، وليس أمامنا إلا البحر، وليس وراءنا إلا البحر، والبحر عن يمين وشمال، لا تقع العين إلا على موج فوق موج، فدب اليأس القاتل في نفوسنا، واستولى علينا الجزع والفزع، وخشينا أن نهلك جوعا، فقللنا من وجبات الطعام إبقاء على ما بقي في جعبتنا من زاد قليل، وزاد الطين بلة أن فشا المرض بين الملاحين فرفرف الموت بجناحه القاتم على السفن ومن فيها، حتى أصبح الفناء منا قاب قوسين أو أدنى، وهنا وقعت أبصارنا - في الأفق النائي - على جزيرة زاهية تتلألأ في ضوء الشمس، فتهللت النفوس بشرا، وأخذت الفلك تحبو نحوها حتى دنت من الشاطئ، فرأينا جماعة من أهلها قد احتشدوا يرقبون هذا الطارئ الجديد. يا عجبا، إنهم لم يكونوا أجلافا متوحشين كما صور لنا الوهم والخيال، إنما هم يرتدون ملابس بلغت من البساطة والنظافة والجمال حدا بعيدا، ويلوح الذكاء المشتعل على مخايلهم. وقد شاءت أخلاقهم الكريمة النبيلة أن يسمحوا لنا بالنزول في أرضهم، والمكث بين ظهرانيهم، على الرغم من أن حكومة بلادهم تحرم الهجرة إليها تحريما قاطعا، ولكن أبت رجولتهم العالية أن ترى المرض ينشب أظفاره في الملاحين، ولا ترضى بالبقاء حتى يأذن لهم الله بالبرء والشفاء.
نزل الراكبون إلى الجزيرة ريثما تتم لأولئك المرضى العافية، وفيما هم كذلك، أخذ الأصحاء منهم يجوبون أنحاء الجزيرة، ويجوسون خلالها فيكشفون فيها كل يوم سرا جديدا من أسرار تلك الأرض العجيبة، أرض أطلانطس الجديدة، وقد حدثهم أحد أهليها أنه «كان يسيطر على الجزيرة منذ ألف سنة ملك لا تزال ذكراه مقدسة عند الجماعة كلها ... واسم ذلك الملك سليمان. وإنما نزل من نفوسنا هذه المنزلة الرفيعة؛ لأنه وضع لأمتنا أساس اجتماعها وقانونها، فلقد كان ذا قلب كبير ... ولم يكن يفكر إلا في توفير السعادة لأمته وشعبه.» ومن أعماله المجيدة، بل لعله أعظم أعماله كلها، إنشاء هذه الهيئة التي نسميها «بيت سليمان» وهو أرقى ما شهدته الأرض من نظم.
Página desconocida