انظري، هذا أخوك يأسره دفتر المضارب، وذاك يركض لإرادة المحتكر، ذلك تديره يد الأجنبي ولا يسمح له أن يفتكر بما يعمل، بل يجب عليه أن يقوم بالواجب كالآلة الصماء، وهذا كاليهودي التائه يقف مفتشا على حجر يلقي عليه رأسه فتناديه قوة المادة المشوشة: امش امش، فيقوم متوكئا على إرادته المنحلة، ويتابع سيره ناظرا إلى الأرض؛ لأن الزمان لا يسمح له أن يرفع إبصاره إلى السماء.
انظري يا غادة سوريا، أنت التي ورثت رقة القلب وعوامل الانعطاف تراثا مقدسا من أمك، انظري إلى شاطئ بحر الروم، كم سالت عليه من دمعة! وكم تفطر على شاطئيه من قلب! تأملي في ضعف بلادك، وابكي على الأرض التي حملت سريرك وضمت رفات أجدادك، واعلمي بأنك قادرة على تحويل أرض الوطن الجرداء إلى جنة زاهرة، أنت قادرة أن تسدي باب المهاجرة المفتوح كالهاوية التي لا قرار لها، أنت قادرة أن تحولي اصفرار اليأس اللامع على جبين الشبيبة إلى حمرة القوة والأمل.
الدواء سهل يا غادة سوريا إذا تحرك قلبك وعاشت عواطفك.
اخلعي أثوابك التي حاكتها يد الأجانب كقيود تأسر قلبك، والبسي ما حاكته يد ابن الوطن فلا يلبث حتى يقتدي الرجل بك فتعيش صناعة النسج وعلى حياتها يتوقف نصف حياة الأمة.
احتقري الزخرفة الأوروبية والرياش الذي لا فائدة منه وهو يستغرق نصف ثروة البلاد.
شباننا يركضون وراء هذه السفاسف؛ لأنها من ذوقك، فهم يريدون مرضاتك، ولكن حين يرون على شفاهك ابتسامة الاحتقار لهذه اللوامع المفنية للبلاد، فحينئذ يحولون أبصارهم معك إلى أحياء وطنهم ومصانعه ومزارعه المهملة.
تعودي أن تحبي لغة أجدادنا، فلا يطول الأمر حتى يألفها ذوقك، وحينئذ ينجلي لك الجمال الكامن في آدابها والقوة المرقية التي تجول بشعرها، وحين تصلين إلى هذه الدرجة تصبحين سورية مرتقية، وتزول عنك وصمة الاقتداء بالشعوب التي لا يمكن لك الوصول إلى كمالها، كوني سورية عظيمة، ولا تكوني إفرنجية منحطة فيعتبرك الأجانب أنفسهم ويحفظ لك التاريخ ذكرا جميلا.
ضحي بأميالك الضالة، وقوي إرادتك في هذا السبيل الشريف يا أختي؛ فإنك بعاطفة واحدة تحيين أمة كبيرة تولاها القنوط والعجز، كوني وطنية حقيقية فتحيي الأمل الميت في قلب الشبيبة التاعسة، مدي يدك أيها الملاك إلى هذه القيود الثقيلة التي نجرها في عبودية حياتنا، واكسري حلقاتها الضيقة؛ فيدك اللطيفة هي وحدها قادرة على ذلك.
حرري هذه الشبيبة الشقية من أسرها؛ لترفع رأسها إلى العلا وتفتش على ملجإ قلبها بين يديك، ولا تعود تائهة بقوة فقرها الذي ولده تطلبك بين ظلمات الفسق القاتل والضعف المميت.
أطلب منك هذا باسم إخوتي المعذبين، وأستعير صوت الوطنية الواقفة ناحبة على جبالنا لأكلم فيك دماء سوريا العظيمة التي تجول في قلبك الرقيق.
Página desconocida