خرجت من ذلك المجمع، والدما تقطر من قلبي على وطن تبيعه ألفته بالقشور اللوامع، خرجت حزينا على غادات يدفعن رجال الغد بذوقهن الضال إلى احتقار لغة البلاد ومجدها الساذج وعوائدها الجميلة، مع أن الغادات هن في كل بلاد عنوان الوطنية يشجعن آدابها وينصرن شعراءها ويقوين المجاهدين في سبيلها، وهنا أرى فتاتنا واقفة على منحدر الجبل العالي، وبنانها يدل الشبيبة إلى الهاوية، بدل أن يدلها إلى الذروة، إلى قمة الوطنية واعتبار أرماس الجدود.
لو لم تكن غادة الفرنسيس أشد ولوعا من الرجل بأرض بلادها، لما كنا نرى شبيبة تلك البلاد تفتح غمرات الموت في سبيل الوطنية، وعلى شفاهها ابتسامة الاحتقار للموت من وراء الحب الذي غرسته الغادة في القلب، ألفة بلادي تحتقر لغتي فلمن أكتب؟ كبراء قومي لا يفهمونني فلمن أجر هذه القصبة التي كان صريرها يملأ الدنيا علما وشعورا وتمدنا ؟ فأصبحت تئن على الورق أنينا فلا يتجاوز صوتها أذن الكاتب ...
أكثر من مرة مسكت هذا القلم وحطمته، أكثر من مرة ذودته دمعة في ساعات السآمة والكلال، وعدت إلى الريشة الحديدية التي تطيع أناملي أكثر من القلم، ولكنني لم أكن أبقى طويلا تحت اليأس؛ لأنني كنت أرى على قمة لبنان وطني غادة يكسف وجهها نور الشمس، رجلها راسخة على الثلوج وهي أطهر منها، ورأسها ينطح السحاب بكل قوة سوريا، ومجد العرب تلك الغادة ذلك الملاك كانت تمد يدها نحوي وتقول: «ارجع إلى القلم يا ابن سوريا، اكتب بلغة وطنك وجاهد، تكلم فأنا غادة لبنان سامعة ما تقول، إذا كانت عذارى البلاد لا تفهم، فأنا عذرا الوطنية لا أحول أذني عنك، خذ يدي فأنا خطيبتك، إذا كتبت فمن أجلي تكتب، وإن تكلمت من أجل حبي تتكلم، أنا صورة مجد الشعوب ورمز حياة الأمم أنا مثال الوطنية ...»
كنت أحني الرأس عند هذه النجوى كالقصبة الضعيفة التي تتلوى من هبوب العاصفة، كنت أضع يدي على قلبي وأسير بين انتقاد المتشدقين الذين يتلهون بالحرف الذي يميت، ولا يشعرون بالروح التي تحيي، كنت أتبسم حزنا على المدعين الذين لا يعتقدون بوجود قوة إلا قوتهم، ولا يسمعون صوتا غير صوتهم، كنت أحتمل هزء الأجانب أقاربي بي، وهم يقولون لي: اترك هذه المتاعب، وهذا الشعب الذي يفهم الفضل تطفلا، اخرج من هذا الوسط الذي يعيش فيه الأديب غريبا، ولا يحل به إلا المتزلف المحاري، ادخل بيننا؛ فأنت على الأقل إن كتبت تكتب مثلنا، وإن تكلمت فلا ينقص كلامك صحة عن كلامنا، تعال فيما بيننا ينصر أهل الفكر ولا يلقى قلم الكاتب كعار على وجهه ...
أنت في وسط تغلي فيه مراجل المبادئ المختلفة وألفتك تتناهبها العناصر المتعاكسة، فإذا نطقت بحقيقة هب بوجهك أنصار المبادئ الفاشية للمقاصد الذاتية ... أنت يمكنك أن تكون راقيا في أمة راقية، فلماذا تفضل الجهاد ما بين شعب ستمر عليه الأجيال ولا يفتح عينيه للنور؟
كنت أسمع هذه الأقوال فأكاد أن أرضخ لصحتها، ولكن يد الملاك الواقف على أعالي جبل لبنان كان ينبعث نور عينيه إلى جبيني، ويلقي يده على قلبي، فأرفع الرأس وأتقدم في هذا السبيل الضيق الوعر قائلا: «هم إخوتي ذلك الشعب الضعيف الذي يضلله أهل الضلال، هذه الرءوس النائمة على سكون الأجيال تتمخض فيها كل القوى التي تجعل هذا الشعب المبدد أمة عظيمة وهو متسلسل من قادة الأمم وحاملي مشكاة العلم على منارة الدنيا.»
لغتي مهد الفلسفة والأدب وأرض أجدادي مورد السعة والثروة، فسوف أجاهد مع هذا النزر اليسير من فضلاء وطني، وتحت الراية العثمانية المحبوبة سوف نجاهد لإحياء بلادنا وترقية شعبنا، وإذا لم يقدر لنا أن نكون فاتحة دور الرقي الذي نرجوه فنكون على الأقل ضحية تجعل ختما شريفا على قبر شعب أماته التقليد، ودفنته الأجيال في حفرة التشبه والأسر، وكم ابتلعت هذه الحفرة من أمة ولاشت من شعب.
يا غادة سوريا، إن الذين ربوك على مباديك الحالية جعلوك خائنة لوطنك دون أن تشعري، وأنت لا تزالين تحبين التفرنج الذي لم يقف على قبعتك، ولم يهب على ملابسك فقط؛ بل هو متأصل بأميالك وقد تملك على ذوقك، وها هو يلعب بقلبك ليجعلك شقية، ويدفع وراءك رجال الغد إلى حفرة العدم.
وقد يخال لك أن لا أهمية لعواطفك في أحوال الوطن وتقدمه وتقهقره، فاسمحي يا أختي أن أقول لك، ولربما تتعجبين من هذا القول: أنت أساس التقدم ومبدأ نجاح الأمة، إن الذي لا يفعله ساعد الشاب القوي من تلقاء نفسه توحين أنت إلى القيام به بابتسامة ونظرة، وإن ما يتوه عنه عقل الشاب مع كل افتكاره تنزلينه أنت عليه بكلمة ولفتة.
انظري يا غادة سوريا إلى ما حولك وتأملي، هذه شبيبة بلادك، هم إخوتك وطلاب يدك كلهم صفر الوجوه من اليأس بالجهاد، أحنت الضيقة ظهورهم قبل أن يلامسها الهرم، واختفى من عينيهم لمعان الأمل قبل أن تضرم نار الحب لفتاتهم.
Página desconocida