وكان -رحمه الله- جليل القدر مهاب الجناب معظما في الصدور يملأ العين جمالا والقلب جلالا، محبوبا عند كل أحد معروفا بالورع والزهد، أكرم [407ج] من الريح المرسلة كثير الإنفاق الواسع تام المروة حسن الأخلاق لطيف الطباع، شريف النفس ذا تودد باهر ومفاكهة طيبة، ومجون لطيف ومزاح ظريف، شديد التواضع لا يتصور الكبر ولا يعرفه أصلا، يستحقر نفسه ويستعظم غيره من صغير وكبير، وعظيم وحقير، يحمل الخلق على كاهل السلامة، ويتأول للمسيء ويهضم نفسه ويتواضع لمن لم يتصف إلا بالإسلام حتى أخبرنا شيخنا الوجيه عبد القادر بن أحمد: برد الله مضجعه على شيخه صاحب الترجمة أنه كان يقول لولا أن الله تعالى أمرني أن أرى لنفسي فضلا على الكفار لم أفضلها على أحد من أولاد آدم، يعني إنما سيظهر يوم الدين فضل من جاز الصراط جلي على من لم يجزه{فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}[آل عمران: 185].
[الأعمال الموكلة إليه]
وتولى القضاء فعف وحمد الناس آثاره ثم اعتذر عنه في الدولة المنصورية، وكان يميل إلى التصوف وكان يخطب بمنبر (جامع حدة) حتى أقام بها المتوكل على الله وتجرد عن الدنيا وهذب أخلاقه ووضع نفسه وانقطع إلى الله بكليته وكان يقول:[96أ-ب] لمن يتصدى للانكار على الصوفية إذ أزهدت في الدنيا زهدهم وتركتها تركتهم واستوى عند ذلك الدرهم والمدر والحجر، فلا بأس بالاعتراض وعلق به الفالج في آخر عمره وشفي منه وبقيت آثاره ولم يغير شيء من أخلاقه ثم عاد إليه الألم فأقعده ولم يغير من أخلاقه شيئا، ولم يقرأ عليه في آخر عمره إلا شيخنا وجيه الدين لمزيد الألفة والمودة بينهما، ولقد كان شيخنا الوجيه يحدثنا عنه بعجائب وغرائب من لطفه وحسن خلقه وكمال مروته وكرمه وسعة صدره ونقادته وفحوليته ومعرفته بالحقائق، وكان بينه وبين البدر الأمير كمال الصداقة والاتصال.
Página 370