ومن العجب أن يشب ابن خلدون في تسجيل نشأة علوم البلاغة من قدامة إلى السكاكي، ولا يقف وقفة - ولو قصيرة - برجل له أثره وله خطره، بل لقد عقد له بعضهم فيما نحن بسبيله أبلغ الآثار وأعظم الأخطار، وذلكم الرجل هو الإمام الجليل عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة (471).
ألف الجرجاني في علوم البلاغة كتابين، هما «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»، ولقد جعل أجل همه في الكتاب الأول إلى «البيان»، فتكلم في التشبيه وأطال، وتكثر من إيراد الشواهد والأمثال، وقسم المجاز إلى لغوي وغير لغوي، وأسبغ القول في فنون الاستعارات، وأصاب في أثناء ذلك ألوانا يسيرة من «البديع» كالسجع، والتجنيس، وحسن التعليل، أما ما أصاب من مسائل المعاني فإن جميعه إنما كان من حظ كتابه الآخر «دلائل الإعجاز»، اللهم إلا سنحات قد تلوح أحيانا في آفاق الكلام.
وعبد القاهر يعمد إلى المسألة من مسائل العلم فيضفي بين يديها المقدمات، ويسبغ المقال في التعليل لها أيما إسباغ، ولا يزال يتيامن بالقول ويتياسر، ويضرب في مجازات الكلام جيئة وذهوبا، ولا يبرح يفصل المعاني تفصيلا، ويلون الحجج تلوينا، حتى إذا ظن أنه أوفى من ذلك على الغاية ووقع بقارئه على الصميم، راح يورد الشاهد في إثر الشاهد، جاهدا في شحذ فطنتك وإرهاف ذوقك، ليتهيأ له أن يتدسس بك إلى أطواء الكلام، فتجس ما أجنت من الدقائق جسا، وتستشعر ما أضمرت من المحاسن ذوقا محسا، وكل أولئك يصنعه في عبارة جزلة فخمة، ويجلوه في ديباجة مشرقة اللفظ، متلاحمة النسج، ولا شك أن عبد القاهر بعبارته هذه إنما كان أدنى إلى تعليم البلاغة منه بآثار ما يخرج له من بحثه وتحقيقه، لولا أنه يتكلف السجع ويجتمع له في كثير مما يجرى من البيان.
وكيفما كان الأمر، فإنه كقدامة لم يعن بضبط ما اتسق له من نتائج البحوث في قواعد كلية تنتظم ما تحتها من الجزئيات على الأسلوب المعروف، نعم إنه لقد مهد لهذا ويسره لمن دون بعده من العلماء في هذه الفنون.
ومما تحسن الإشارة إليه في هذا المعنى أن التأليف في علوم البلاغة، إلى هذه الغاية لم يعد في الجملة ألوانا من أساليب النقد، طلبا لشحذ الأذواق وإرهاف الإحساس، والاجتهاد في التفطين إلى ما دق وخفي من وجوه المحاسن والعيوب في الكلام، وليته لم يتجاوز هذا القدر، إذن لكان لهذه العلوم من الحظ ومن الأثر غير ما لها الآن؟
السكاكي والقزويني
سيداتي، سادتي
بعد هذا جاء العلامة المحقق أبو يعقوب يوسف السكاكي المتوفى سنة (626)، فاستخلص جملة أحكام البلاغة التي تهدى إليها من تقدمه من الباحثين، وضم كل جنس إلى جنسه، وجمع كل شكل إلى شكله، وجعل ينظم ما تهيأ له من ذلك في قواعد واضحة الرسوم، مضبوطة الحدود، حتى تكون جامعة مانعة، على اصطلاح جمهرة العلماء، وساق لكل قاعدة ما اجتمع له من الأمثلة والشواهد، ووصل كل ذلك بكتابه «مفتاح العلوم».
ولا ينبغي أن نظن أن السكاكي في مجهوده هذا إنما كان صائغا فحسب؛ بل إنه كثيرا ما يكون لاجتهاده في توجيه الأحكام وفي جوهر المادة العلمية الأثر البعيد.
إذن لقد استطاع السكاكي أن يحيل أحاديث البلاغة من مادة أدب ونقد واحتفال لتفطين الأفهام وشحذ الأذواق، حتى تستطيع النفوذ إلى دقائق البلاغات، لقد استطاع السكاكي أن يحيل أحاديث البلاغة علوما إنما تخاطب الأفهام، لتدلها على مبرم الأحكام!
Página desconocida