كنا تلك الأيام في أواخر أكتوبر، والسنة المكتبية الداخلة تناديني أن أرجع إلى الحي اللاتيني، إلى جوار المدرسة، ولما يئست من الوقوع على عائلة توافقني أخذت الطرف الثاني من أنواع الحياة، أخذت سكنى اللوكاندة.
حجزت لنفس غرفة في اكسلسير، ولما وثقت منها وارتاح بالي من هذه الجهة رتبت عفشي قبل تعزيلي بثلاثة أيام على ما أذكر.
سهرت ليلة أول نوفمبر حتى الساعة الرابعة صباحا، رغما عن ذلك فقد أيقظني صديقي حمدي الساعة الثامنة ولا أزال في أشد الحاجة للنوم، لكن سروري بحضوره من مصر أنساني تعبي، وفي اليوم عينه انتقلت إلى اكسلسير وأخذ هو الآخر غرفة فيها.
ساكن اللوكاندة حر إلى أقصى حدود الحرية، ولكنه كذلك وحيد إلى أفظع درجات الوحدة؛ لذلك هو يميل بكله لاتخاذ أصدقاء إخوانا ويكثر منهم ما استطاع، ومهما يكن محبا للانفراد ولطعم ذلك السكون اللذيذ حين يجلس في غرفته، إن شاء يدخن متى أراد، ويتثاءب حين يحلو له، ويفكر الساعات الطوال على غرضه، فإن تشابه تلك الحياة الميتة وعدم وجوده حتى ولا ساعات الطعام مع أشخاص يقتادهم ويقتادونه يجعله سؤوما ملولا، ويجئ الشيء طبيعيا إلى حد غريب، هو يذهب ساعة الظهر للمطعم فيقابل شخصا يعرفه ويكون مسرورا أن وجد مكانا إلى جانبه، وفي أكلة أو أكلتين ترتبط المودة بينهما ... يذهب بعد المطعم إلى القهوة فيجد آخر وثالث وهكذا يجد جيشا عرما من المعارف، ثم يغريه حب استدامة اللذة إلى أن يجد من يبقى معه أطول زمن ممكن، وفي اللوكاندة كل حر يعمل ما يريد، وهكذا تسير الحياة على هذا الشكل الفاتر اللذيذ ... ولكنها في الوقت عينه تسمح لمن عنده شيء من التفكير فيما يرى ويعمل، ومن القوة على إمساك نفسه عند الحاجة أن يلاحظ أشياء كثيرة ويستفيد من مخالطة الأشخاص والنظر في الحوادث أضعاف ما كانت تفيده من قبل الكتب والروايات، وإذا رجع إلى هذه بعد أن طعم الحياة التي وصفنا رجع إليها وعنده من التجربة ما يجعله يصل منها إلى أعماق فكر صاحبها ويفهم كل ملاحظة عن حادثة يقص الكاتب خبرها.
كنت أذهب إلى المطعم أنا و(ع. ف.) فنجد هناك جماعة من المصريين، وقد اختصوا مائدة كادت تكون محجوزة لاسمهم؛ ففي الظهر وفي المساء تراهم يحضرون الواحد بعد الآخر حتى تمتلئ بهم، ويدور الحديث في مواضيع مختلفة كانوا فيها دائما موضع حضور الذهن ووضع النكتة في أحسن محلها، وكثيرا ما كنت أمضي كل ساعة الطعام من أولها إلى آخرها ضاحكا مسرورا، ولكن متى دخل إلى كلامهم شيء عن السياسة والأحزاب علت إذ ذاك ضجتهم، وإن انتهت في الغالب بالتنكيت والضحك.
في تلك اللحظات كان أحدهم (م. د.) يجلس صامتا لا ينطق وتلك عادته حتى غيرها، ثم إذا امتلأت نفسه جاء مرة واحدة بكل ما عنده من سب بعض الكتاب ورميهم بالنفاق والخيانة والجبن، وأنهم يبيعون البلد بيعا ... سمعت عن هذا الشخص بعد شهور من هذا أنه في حيرة لا يجد ما يأكل به.
ت. س. شخص ثابت رزين حلو الحديث، ولكن رزانته تذهب أحيانا إلى حدود أكثر من اللازم ويعتقدها آخرون كبرياء فارغة.
م. م. يظهر من الظروف ما لا تكاد تتصوره، ولكن ظرفه ينحصر في غيبة الآخرين والطعن عليهم وإن أظهر لكل الناس أنه صديقهم الحميم.
م. ر. شخص ضعيف الإرادة ضعيف العقل أحمق من دجاجة، ويعتقد نفسه شيئا ذا قيمة بين الناس، بل وفي وجود مصر.
أ. ن. فلاح صعيدي جاء إلى باريس، تصور أثقل فلاح صعيدي يريد أن يصبغ نفسه بصبغة ابن باريس.
Página desconocida