من أيام قام في الرايخستاج الألماني جدال جاء على أثر الخطبة التي كان ألقاها الإمبراطور مشيرا فيها إلى حقه الإلهي في الحكم مستمدذا معونة موكله العظيم، وفي هاته المناقشات قال قائد الاشتراكيين لأول مرة: بصراحة إنما نسعى لغايتنا وهي الجمهورية، يجب ألا تكون الجمهورية غاية الاشتراكيين وحدهم بل غاية كل محب للسلام العام؛ فإن وجود الحكومات الجمهورية على البسيطة هو الضمان الأكبر للحرية، وإن الجمهوريات الحاضرة - على أن بعضها عظيم جدا - لتدلنا عليها، ولو أنا لنصدق ما يقال من أن فرنسا اليوم في تقهقر، فما أحسب أحدا يقول إن الجمهورية الأمريكية الكبيرة جمهورية الولايات المتحدة في شيء من ذلك، كما أن الجمهوريات الكثيرة الأخرى قوية، ومع ذلك فليس في طبعها حب الحرية ومناوشة الآخرين العداء.
لكنها الملكيات هي دائما حبيسة هذا المرض الإنساني الفظيع، هي السبب في بقائه على الأرض، ولو أنك أخذت التاريخ لما وجدت التوسع في الاستعمار إلا في العصور الملكية، اللهم إلا قليلا أيام الرومان حين كانت الجمهورية في يد شبه ملك، والسبب في ذلك على ما أعتقد هو أن هؤلاء الملوك من الشره والطمع والأنانية حتى ليعتقدون أن الأمة وما فيها هي في شخصهم، فكلما اتسع نطاقها اتسع مجدهم وعظمتهم؛ وعلى هذا فهم مدفعون بما يخالط الطبيعة الإنسانية من الشرة الفظيع الجشع، هم يدفعون من يؤمنون بحقهم في الحكم إلى الغزو، وأقام الحكومة حبا في السعادة الشخصية؛ لذلك تدخل في أخلاق الناس وفي الفكرة العامة أن الوجود موضع سعادة للمجموع، في حين تكون الفكرة عند الملكيين أن الحاة قائمة على إرضاء لأطماع شره ملوكهم .
19 سبتمبر
ترى الأوربي هنا عمره فوق الثلاثين وفوق الأربعين، ورجل ذو مكانة في الوجود وقيمة في نفسه، وهو مع ذلك مثال السرور والنشاط وشديد التعلق باللذائذ وبالرياضة، يعطي قسما كبيرا لها، ويجد موفورا عنده الوقت الذي يعمل فيه كل عمله مما تطالبه به الحياة.
يفوق الخمسين ويفوق الستين ويبقى ذلك شأنه.
ترى الشاب يحس في نفسه بشبابه ويعلم أنه غير مسؤول بعد إلا عن عمل شخصه: عند دروسه ومدرسته، كما أنه يفهم أن هاته الأيام ربيع الحياة، وفي غد يأتى الصيف فيدخل إلى عالم مسؤولية وجد، ثم الخريف تعرى فيه رأسه عن شعرها فيكسب ذلك الربيع ويأتي فيه بكل ما تحبه نفسه ويجول بخاطره.
عندنا متى بلغ الفتى الرابعة عشرة من عمره أو السادسة عشرة إن كان ساكنا بعض الشيء خاض غمار السياسة، وأخذ على عاتقه من الأعمال، وتعهد أمام نفسه وغيره بأشياء، فتراه أصبح ذا العمل الضخم الكبير: وهو نعم الكفء لعمله؛ إذ تراه ما حل مكانا إلا صاح ونادى وصرخ واستصرخ، فإذا ما وصل العشرين كان الرجل الناضج يمشي وعليه وقار الكمال وهيبة الرجولية، وعند الخامسة والعشرين ينتظره المشيب فيتمهل في مشيته ويهز رأسه إن تحكي له مسألة أو حادثة كما يهزها من عرك الحوادث وعركته، وإن رأيته رأيته ذاهب الفكر سارحا يحدد عينيه لحظة ثم يسبل عليها حاجبيه ... ويكون بالجملة الشيخ الذي فرغت منه الأيام ولم يبق فيه من خير، تلك حالهم النفسية وما أدري إذا كانت الجهة الأخرى جهة اللذائذ الجسمية هي على هذا النظام، ولكنما يخيل لي أن الأمر بالعكس؛ لأنهم كلما كبروا سنا كلما اندفعوا وراء شهواتهم وتماوتوا في طلبها وزادوا إلى حد فظيع ... كل ذلك نتيجة تربيتنا الأولى وفساد العائلة.
سبتمبر/أكتوبر
عرفت أحد الموظفين بالحكومة قد قضى بها أكثر من اثني عشر عاما، وعمره اليوم لا يزيد على الثلاثين كثيرا؛ لذلك كان أمامي خير مثل للتربية إلي تعطيها الوظيفة لمن يشغلها، والأثر الذي يصيب نفس المستخدم، وإذا لم يكن هذا الشخص مثلا في قوة الإرادة أو توقد الذكاء أو حدة الخاطر أو نحو ذلك فليس هو بالعكس، ليس بالغبي الأبله، بل هو الشخص العادي الموجود عندنا، هو المصري الوسط عرفته فأظهر لي من أفكاره ما وافقني، كنت كلما قررت أمامه قاعدة وجدته لم يخالفني في صغيرة ولا كبيرة من أصلها أو حواشيها، وإذا أعطيت رأيي عن شخص قواه هو بالحوادث الكثيرة لا عدد لها يحفظها عن ظاهر قلبه، وإذا تكلمنا في السياسة والحال في مصر كنا دائما من رأي واحد.
شخص كهذا يكون صديقا حميما في أيام قلائل، ولاحظ هو أن هكذا كنا، ثم قابلته ليلة ومعه منتم للحزب الوطني مناصر لأفكاره، وهو الآخر صديق ذلك الموظف، كنا نحن الثلاثة معا، ماذا يعمل صاحبنا، اجتهد بكل ما استطاع أن يوافقنا نحن الاثنين، كلا بل كان مع عضو الحزب الوطني أكثر مما هو معي، ادعى فعلا أنه منتم لهذا الحزب؛ إذ كل فرد يعمل لصالح مصر هو من الحزب الوطني، فلما لم أقبل أنا هذا التعريف جعل يحور فيه حتى يرضي صاحبه ويرضيني.
Página desconocida