Memorias Geográficas en los Países Sirios
المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية
Géneros
لو تتبعنا تاريخ العرب في الأزمنة العريقة في القدم، لوجدناهم مزدانين بخلال فريدة للضرب في البوادي وللسياحة في البلدان، تصفح سفر التكوين لموسى كليم الله، فإنه قد ذكر غير مرة عرب البادية في أيام الآباء بعد الطوفان منذ إبراهيم الخليل إلى يوسف الحسن، وغاية ما يستنتج من أوصافه أن العرب كانوا في ذلك الوقت ما عهدهم التاريخ في الأجيال التابعة، فإنهم يظهرون لنا كقوم رحل يقودون القوافل ويتجشمون الأسفار للمتاجرة، وقد جعل الله في يدهم زمام حيوان صبور يزيد نفعه على منافع الخيل المطهمة، نريد الإبل المعروفة بسفن البر، وهذا الوصف لا يختلف ذرة عن أحوال العرب في كرور الدهور حتى القرن السابع بعد الميلاد؛ حيث ترى قريشا تتولى قيادة الأقفال وتمتار المير، وتنقل السلع إلى أسواق العراق والشام واليمن والحبشة ومصر.
وليس بين التاجر الرحالة والجغرافي المخطط للبلدان مدى واسع؛ فإن المسفار يحتاج كالجغرافي إلى التنقيب عن أحوال الأمم والأمكنة التي يتردد إليها، فيتبصر في مرافقها ويدرس طباعها، ويبحث عن ثروة تربتها وغلاتها وطرقها وطوارئ هوائها من حر وقر، وكل ذلك يباشره الرحالة لمنفعته الخاصة، كما يتولاه الجغرافي لنفع العلوم، ومن هنا تعرف أن درس الجغرافية من أنجع الوسائل، وأكفلها بالربح في التجارة الواسعة.
ومما زاد العرب نشاطا في درس البلدان وأعانهم على الرصود الجغرافية التي خصت بمراقبتها طباعهم، ما أتاحهم الله من الفتوحات العظيمة في القرنين السابع والثامن؛ فإن سلطتهم بلغت ما وراء البلاد التي اتصلت إليها يد الإسكندر ذي القرنين، فلا غرو أنهم حاولوا معرفة الأقطار التي جعلها الله في حوزتهم، فأسرعوا إلى تقويمها وتحديد ثغورها، واستطلاع خواصها، وقد ساعدهم على ذلك ما وقفوا عليه من المصنفات الجغرافية السابقة لعهدهم من أوضاع الهنود والفرس واليونان والرومان، مما نقل الكثير منه إلى العربية، وكان العرب من أجدر الناس بأن يبنوا لعلم الجغرافية صرحا شاهقا منيفا بما توفر لديهم من الوسائل الضامنة لبلوغ هذه الغاية الشريفة، وذلك بأن يضيفوا معلوماتهم إلى معلومات أسلافهم، وسوف نذكر سبب قصورهم عن هذه البغية الجلى، وإن نال البعض منهم من ذوي المدارك العالية أسهما رابحة من المجد، فكادوا يفوزون بقصبة السبق في هذا الميدان الجليل.
ومما يجب الإقرار به فضل كتبة العرب في وصف البلدان وتعريف خواصها، وذلك مدخل العلوم الجغرافية ومقدمتها يكفي للقيام به أن يكون الكاتب باصرا مترويا، يحسن مراقبة المرئيات دون أن يحتاج إلى شيء من الآلات الرصدية، أو من العلوم الإعدادية.
فمن ذلك أنهم أحكموا معرفة أواسط آسية، فأصلحوا أمورا عديدة مما رواه قبلهم اليونان والرومان رامين كلامهم على عواهنه، مثال ذلك: ما أفادنا الرومان عن الصين حدسا وسمعا. أما العرب فإنهم تفقدوا مملكة ابن السماء، بل بلغوا بلاد كورية، ولعلهم أدركوا حدود اليابان. وقس على ذلك قارة أفريقية، فإن الرومان جعلوا الصحراء حدودها، فلم يعرفوا ما وراء تلك المفاوز المجهولة. أما العرب فإنهم تجاوزوا تلك الحدود، وطافوا في مجاهل أفريقية إلى قلب تلك البلاد، وهم أول من أبحر إلى جزيرة مدغسكار فعرفوا موقعها.
أما الجغرافية العلمية فإن معلومات العرب فيها محصورة ضيقة النطاق، فإن معرفتهم مثلا لأعراض البلاد قد تعقبوا فيها آثار القدماء، فأصابوا أو أخطئوا كلما أصاب أو أخطأ أسلافهم، أما خوارطهم ورسومهم لهيئة البلدان فإنها غريبة الأشكال بعيدة عن مظان الحق،
1
وقد أثبت منها المشرق مثالا ملونا، فراجعه (المشرق 3: 1128)، وها نحن ندون هنا مثالا آخر ننقله ببعض ألوانه، عن كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي، كما يرى في أحد مخطوطات مكتبة باريس العمومية، ولعله أحكم وأتقن ما وضعه العرب من الخرائط، فإن البحر فيها مرسوم باللون الأزرق ومجاري الأنهار بالأخضر،
2
وأغرب ما في هذا الأثر أن صاحبه سعى بتصوير سلسلة الجبال بتخطيطات مقطعة
Página desconocida