400

نعم قد سلك بعض المتأخرين طريقة أخرى في الاحتياط، وهي أنه يجهر بها في ركعة ويسر في أخرى، وهو مبني على أن قراءة الفاتحة وما يقرأ معها لا تجب إلا مرة واحدة في جملة الصلاة، فيكون قد أتى بالقدر الواجب على الوجه المشروع؛ لأنا إن فرضنا وجوب الجهر بها فقد أتى به، وإن فرضنا وجوب الإسرار فقد أتى به، وهذا هو الظاهر من عمل من يذهب إلى الجهر من علماء عصرنا، وأما ما ذكره صاحب الروض من حمل ما ورد في الجهر على إرادة إثباتها قرآنا، فجوابه أنه لا مستند له إلا فهمه من كلام المؤيد بالله ومن ذكر معه، وكونهم يوردونها في مقام الاحتجاج على كونها قرآنا، وهذا لا يفيده لأمرين:

أحدهما: أن فهمهم ليس بحجة، لا سيما مع مخالفته للظاهر.

الثاني: أن احتجاجهم بأحاديث الجهر على كونها آية لا ينافي ثبوت الجهر بها في السرية، بل تلك الأحاديث تدل على الأمرين، وقد نبهنا على أن أحاديث الجهر تدل على ثبوت قرآنيتها في المسألة الأولى، والمعتمد ظاهر الدليل، ومن ادعى خلاف الظاهر ولم يأت عليه بدليل وجب رد دعواه كائنا من كان، ولو جوزنا له دليلا فلا تكليف علينا إلا بما علمنا، خلا أن الواجب إبلاغ الوسع في البحث عن مستندات أقوال العلماء؛ لأن مخالفتهم للظواهر تفيد أن له مستندا ما، وبعد البحث الشديد فلم نجده، أو وجدناه وظهر لنا ضعفه يسقط عنا لوم المخالفة لأفراد منهم، إذ كل أحد مكلف بما علم، ومن الجائز أن يطلع بعض العلماء على ما يطلع عليه الآخرون، بل ذلك معلوم، واعلم أني قد بحثت أشد البحث فلم أجد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أمير المؤمنين نصا صريحا يدل على هذا التفصيل.

Página 402