ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
ومما يتصل بالملبس التقنع والتنقب، وقد كان النقاب يستر الوجه إلى قصبة الأنف أو إلى المحجر فقط، بحيث كانت ترى منه العين، ولعله لم يكن في بدء الأمر إلا فضلة القناع تردها المرأة على شفتها كما يرد الرجل فضل عمامته على فمه، بدليل إطلاق لفظ اللثام على كلا الردين. ثم ما لبث اللثام أن ارتفع إلى ما فوق الفم فكان لفاما، ثم انتهى إلى الأنف فغشيه أو بعضه فكان نقابا، وربما ضاق أيضا حتى لا تبدو منه إلا العين فقط وهو البرقع والوصواص. قال المثقب العبدي:
ظهرن بكلة وسدلن أخرى
وثقبن الوصاوص للعيون
وذكر أبو زيد في كتاب النوادر أنه قيل لأعرابي: ما تقول في نساء بني فلان؟ فقال: برقع وانظر. يريد حسن أعينهن.
ومن هذا الترتيب يستدل على أن النقاب كان في أول اتخاذه كاللثام للرجال، ثم لما جعل أرباب الهوى لا يرون حسناء إلا تعشقوها ونظموا فيها الأبيات السائرة تحرز منهم النساء بالنقاب؛ سترا لمحاسنهن أن يبتذلها الوصف، فأصبح لذلك التنقب عادة أوجبها التعفف والتصون. يشهد بذلك ما ذكر عن المتجردة امرأة النعمان ملك الحيرة حين سقط يوما نصيفها؛ أي خمارها، فأبصرها النابغة الشاعر فبادرت واستترت بيدها وذراعها، فكادت ذراعها تستر وجهها لامتلائها وغلظها، فما لبث النابغة بعد هذه اللمحة اليسيرة أن نظم قصيدته الدالية، وصف فيها المتجردة وصفا نبه فيه على أكثر محاسنها حتى تجاوز إلى رضابها، فقال فيه ما أوجب غضب النعمان عليه، ولما انتهى إلى أمر سقوط النصيف واستتار المتجردة قال:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتناولته واتقتنا باليد
ونقل مثل ذلك عن طرفة لما كان بين يدي عمرو بن هند يشرب وأشرفت أخت للملك فرآها طرفة، فقال فيها بيتين من الشعر نقمهما عليه عمرو بن هند، وكان من بعض ما بعثه على الأمر بقتله كما ذكر في قصته.
ومما يدل على أن التنقب لذلك العهد كان تصونا استئثار الحرائر به دون الإماء، حتى كانت الحرة إذا خشيت السبي يوما وأرادت أن تأمن على نفسها تلقي عنها النقاب وتبرز حاسرة كالأمة ليظن أنها هي فلا يتعرض لها. قال التبريزي في شرح قول معدي كرب:
Página desconocida