El enigma de Ishtar: la deidad femenina y el origen de la religión y el mito
لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة
Géneros
طقوس ديونيسيوس
لدينا من الدلائل ما يشير إلى أن طقوس ديونيسيوس الرئيسية كانت تقام في عيده السنوي الذي يصادف وقوعه في فصل الربيع، حيث يجر الإله الصاعد من العالم الأسفل فصل الخضرة والإنبات وراءه. في ذلك العيد كانت دراما الإله الميت تمثل وتنشد بكامل تفاصيلها، مع التأكيد على اللحظات الأخيرة التي عانى فيها ديونيسيوس العذاب والآلام ثم ذاق الموت، حتى إن جوقة الصنوج والفلوت كانت تعبر بألحان تثير كل أشجان النفس، عن حشرجات الإله وهو يسلم أنفاسه الأخيرة. وبعد ذلك كانت الدراما تنتقل إلى نهايتها المعروفة، حيث يتم بعث الإله وعودته إلى عرشه السماوي من جديد. وخلال الطقوس كان المشتركون يأتون بثور يمثل الإله ديونيسيوس نفسه، فيمزقونه حيا ويأكلون لحمه نيئا ويشربون دمه، ثم يهيمون بين الأحراش حاملين معهم سلة يفترض أن بها قلب الإله القتيل. وفي مناطق أخرى كان الطقس يركز على قصة هبوط ديونيسيوس إلى العالم الأسفل لاستعادة أمه سيميلي، ثم عودته ظافرا من العالم الأسفل. فكانت الدراما تمثل سنويا عند شاطئ بحيرة، كان يعتقد أن الإله قد هبط منها إلى العالم الأسفل، وأنه من ذات البحيرة سوف يبعث من جديد.
94
وبذلك يعود الطقس إلى شكله المألوف الذي عهدناه في طقوس بقية الآلهة الأبناء، ويبدو ديونيسيوس على حقيقته كروح للإنبات التي تموت وتحيا في كل عام.
وفي مناطق أخرى كان المحتفلون يأتون بتيس يمزقونه حيا ويأكلونه بدل الثور، وذلك انطلاقا من معتقد آخر يربط ديونيسيوس بالماعز لا بالبقر. فمن ألقاب ديونيسيوس الكثيرة أيضا «الذي يلبس جلد التيس»، وكان يظهر في بعض المناسبات على هذه الهيئة،
95
وهذا ما يجعله أول الساتير، وهم جنس من الآلهة الثانوية التي تصورها الأسطورة والأعمال التشكيلية في هيئة البشر وهيئة الماعز، وكانوا يعيشون في الغاب ويكرسون حياتهم للشرب وللهو والجنس، وشكلوا عصبة تسير وراء الإله ديونيسيوس وتشارك في طقوسه، وقد قدمنا تفصيلات عنهم في مكان آخر من هذا الكتاب. كما جرت العادة في بعض المناطق على تقديم قربان بشري بدل التيس أو الثور في طقوس ديونيسيوس، فكان هذا القربان يقتل ويمزق بنفس الطريقة التي كان يتم بها قتل وتمزيق التيس أو الثور. وقد استبدل طقس القربان الحيواني بهذا الطقس فيما بعد. وهذا ما يعود بنا إلى الممارسات القديمة المتعلقة بقتل الإله ممثلا في القربان البشري. ولعل في الروايات المتوارثة عن قتل وتمزيق اثنين من ملوك اليونان القدماء، وهما «بنثيوس» و«ليكورغوس» لتجديفهما على الإله ديونيسيوس، إشارة إلى ممارسة قديمة تتعلق بقتل الملوك ممن كانوا يمثلون الإله ديونيسيوس نفسه.
96
وبعد، لقد بعثت الديونيسية التقاليد الأمومية في المجتمع الإغريقي بعد نوم طويل، وقام زيوس أخيرا بتسليم العرش إلى ديونيسيوس، ابن الأم الكبرى وسليل النسب القمري، لا إلى أبولو إله الشمس وسليل آلهة الذكور الأعلين. كما مهد انتصار الديونيسية المؤزر الطريق أمام غزو الديانات الأمومية الشرقية، التي بدأت منذ فتوحات الإسكندر بالتغلغل في العالم الكلاسيكي، حيث شاعت عبادة إيزيس، وعبادة «ديا-سيريا» أي الإلهة السورية التي هي عشتار أو عستارت، وعبادة سيبيل الأم الكبرى لآسيا الصغرى. كما عمد بعض الأباطرة ذوو الأصل السوري على جعل الآلهة السورية آلهة رسمية للدولة، مثلما فعل الإمبراطور أليجابالوس (أليجا - بعلوس)، عندما حاول رفع الإله بعل إلها أكبر للإمبراطورية. وقد بدا لفترة، أن الشرق الذي أخفق في اجتياح الغرب عسكريا منذ الألف الخامس قبل الميلاد، قد صار مهيئا لاجتياحه روحيا وثقافيا. وفي هذا الصدد يقول «باخوفن»، وهو أحد رواد دراسة الأسطورة في القرن التاسع عشر الذي تركت آراؤه بصمات واضحة على علم الأسطورة في الغرب: «لقرون عديدة بدت إيطاليا وكأنها ستبقى أبدا معتمدة على آسيا، بعد أن تمكنت الديانات الشرقية من كل ركن من أركانها. كما بدا أنها لن تستطيع تجاوز الثقافات الشرقية، التي أقامت عليها روما صرح حضارتها في الأرض الإيطالية، وبزغت من رحمها. إلا أن الرومان قد أخذوا تدريجيا يعون بوضوح التناقض فيما بينهم وبين الثقافات الغريبة المحيطة بهم، ويدركون دورهم التاريخي؛ ذلك أن القضاء على العناصر الآسيوية داخل جسم الحضارة الرومانية، كان شرطا للوجود بالدرجة الأولى، وشرطا لمجد روما بالدرجة الثانية. من هنا جاء تحرك الروح الرومانية للقضاء على مصادر التهديد في الداخل والخارج. فبعد أن تم القضاء على مراكز الثقافة الشرقية في الأرض الإيطالية، تفرغت روما لحربها الفاصلة مع قوى الشرق، ممثلة في قرطاجة وقائدها هانيبعل. فكان تدمير قرطاجة الفينيقية أهم نقطة تحول في تاريخ الإنسانية؛ لأنه نقل السيطرة على العالم من الشرق إلى الغرب. لقد كان تدمير قرطاجة، بلا شك، خسارة كبرى في المعارف والخبرات الإنسانية، ولكننا غير نادمين على ذلك؛ لأن المبادئ الروحية الغربية قد انتصرت وقضت على التركة الشرقية إلى الأبد.»
97
Página desconocida