Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
" يا فريعة حتى يبلغ الكتاب أجله "
قالوا: فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صحة ما قلنا في معنى تربص المتوفى عنها زوجها ما خالفه. قالوا: وأما ما روى عن ابن عباس فإنه لا معنى له بخروجه عن ظاهر التنزيل والثابت من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم. قالوا: وأما الخبر الذي روى عن أسماء ابنة عميس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلب ثلاثا، ثم أن تصنع ما بدا لها، فإنه غير دال على أن لا إحداد على المرأة، بل إنما دل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا، ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه مما لم يكن زينة ولا تطيبا لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب. وذلك كالذي أذن صلى الله عليه وسلم للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب وبرود اليمن، فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب، وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه، فإن لها لبسه، لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل وعشرة؟ وإذ كان التنزيل كذلك، أفبالليالي تعتد المتوفى عنها العشر أم بالأيام؟ قيل: بل تعتد بالأيام بلياليها. فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك فكيف قيل وعشرا ولم يقل وعشرة، والعشر بغير الهاء من عدد الليالي دون الأيام؟ فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت، فهل تجيز عندي عشر وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟ قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام، وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال النساء وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة إذا أبهمت العدد غلبت فيه الليالي، حتى إنهم فيما روي لنا عنهم ليقولون: صمنا عشرا من شهر رمضان، لتغليبهم الليالي على الأيام وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأيام، فإذا أظهروا مع العدد مفسره أسقطوا من عدد المؤنث الهاء، وأثبتوها في عدد المذكر، كما قال تعالى ذكره:
سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما
[الحاقة: 7] فأسقط الهاء من سبع، وأثبتها في الثمانية. وأما بنو آدم، فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء ثم أبهمت عددها أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث، وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم، وليس كذلك سائر الأشياء غيرهم، وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى، كما قيل للذكر والأثنى شاة، وقيل للذكور والإناث من البقر بقر، وليس كذلك في بني آدم. فإن قال: فما معنى زيادة هذه العشرة الأيام على الأشهر؟ قيل: قد قيل في ذلك فيما: حدثنا به ابن وكيع قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } قال: قلت: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو عاصم، عن سعيد، عن قتادة، قال: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح. القول في تأويل قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف }. يعني تعالى ذكره بقوله: فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن، وذلك بعد انقضاء عددهن، ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف. يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء أولياء المرأة فيما فعل المتوفي عنهن حينئذ في أنفسهن من تطيب وتزين ونقلة من المسكن الذي كن يعتددن فيه ونكاح من يجوز لهن نكاحه بالمعروف يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن. وقد قيل: إنما عنى بذلك النكاح خاصة. وقيل: إن معنى قوله { بالمعروف } إنما هو النكاح الحلال. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } قال: الحلال الطيب. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } قال: المعروف: النكاح الحلال الطيب. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: قوله: { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } قال: هو النكاح الحلال الطيب.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: هو النكاح. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } قال: في نكاح من هوينه إذا كان معروفا. القول في تأويل قوله تعالى: { والله بما تعملون خبير }. يعني تعالى ذكره بذلك: والله بما تعملون أيها الأولياء في أمر من أنتم وليه من نسائكم من عضلهن وإنكاحهن ممن أردن نكاحه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم، خبير يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء.
[2.235]
يعني تعالى ذكره بذلك: ولا جناح عليكم أيها الرجال فيما عرضتم به من خطبة النساء للنساء المعتدات، من وفاة أزواجهن في عددهن، ولم تصرحوا بعقد نكاح. والتعريض الذي أبيح في ذلك، هو ما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد عن ابن عباس قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: التعريض أن يقول: إنى أريد التزويج، وإني لأحب امرأة من أمرها أمرها، يعرض لها بالقول بالمعروف. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: { لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: إني أريد أن أتزوج. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة. قال مجاهد: قال رجل لامرأة في جنازة زوجها لا تسبقيني بنفسك، قالت: قد سبقت. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال في هذه الآية: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: { فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: التعريض أن يقول للمرأة في عدتها: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } يقول: يعرض لها في عدتها، يقول لها: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك ونحو هذا من الكلام فلا حرج. حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: هو أن يقول لها في عدتها: إني أريد التزويج، ووددت أن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة في هذه الآية، قال: يذكرها إلى وليها يقول: لا تسبقني بها. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: يقول: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد أنه كره أن يقول: لا تسبقيني بنفسك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: هو قول الرجل للمرأة: إنك لجميلة وإنك لنافقة وإنك لإلى خير. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: يعرض للمرأة في عدتها فيقول: والله إنك لجميلة، وإن النساء لمن حاجتي، وإنك إلى خير إن شاء الله. حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: هو قول الرجل: إني أريد أن أتزوج، وإني إن تزوجت أحسنت إلى امرأتي، هذا التعريض. حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: يقول: لأعطينك، لأحسنن إليك، لأفعلن بك كذا وكذا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، في قوله: { فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: قول الرجل للمرأة في عدتها يعرض بالخطبة: والله إني فيك لراغب، وإنى عليك لحريص، ونحو هذا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع القاسم بن محمد يقول: { فيما عرضتم به من خطبة النساء } هو قول الرجل للمرأة: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: كيف يقول الخاطب؟ قال: يعرض تعريضا ولا يبوح بشيء، يقول: إن لي حاجة وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة، ولا يبوح بشيء. قال عطاء: وتقول هي: قد أسمع ما تقول. ولا تعده شيئا، ولا تقول: لعل ذاك. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، قال: ثني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم يقول في المرأة يتوفى عنها زوجها، والرجل يريد خطبتها، ويريد كلامها ما الذي يجمل به من القول؟ قال: يقول: إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، وإني بك لمعجب، وأشباه هذا من القول. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، قال: كان إبراهيم لا يرى بأسا أن يهدي لها في العدة إذا كانت من شأنه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: يقول: إنك لنافقة، وإنك لمعجبة، وإنك لجميلة، وإن قضى الله شيئا كان. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: كان إبراهيم النخعي يقول: إنك لمعجبة، وإني فيك لراغب. حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: وأخبرني يعني شبيبا عن سعيد، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء }. قال: لا يأخذ ميثاقها ألا تنكح غيره. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: كان أبي يقول: كل شيء كان دون أن يعزما عقدة النكاح، فهو كما قال الله تعالى ذكره: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء }. حدثنا ابن حميد. قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد جميعا، عن سفيان قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء }. والتعريض فيما سمعنا: أن يقول الرجل وهي في عدتها: إنك لجميلة، إنك إلى خير، إنك لنافقة، إنك لتعجبيني، ونحو هذا، فهذا التعريض. حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن خالته سكينة ابنة حنظلة بن عبد الله بن حنظلة، قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة أنا من علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق جدي علي وقدمي في الإسلام. فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } قال: لا جناح على من عرض لهن بالخطبة قبل أن يحللن إذا كنوا في أنفسهن من ذلك.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه كان يقول في قول الله تعالى ذكره: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدة من وفاة زوجها: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله سائق إليك خيرا ورزقا، ونحو هذا من الكلام. واختلف أهل العربية في معنى الخطبة. فقال بعضهم: الخطبة: الذكر، والخطبة: التشهد. وكأن قائل هذا القول تأول الكلام: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهم وقد زعم صاحب هذا القول أنه قال: «لا تواعدوهن سرا»، لأنه لما قال: «لا جناح عليكم»، كأنه قال: اذكروهن، ولكن لا تواعدوهن سرا. وقال آخرون منهم: الخطبة أخطب خطبة وخطبا، قال: وقول الله تعالى ذكره:
Página desconocida