Tafsir al-Tabari
جامع البيان في تفسير القرآن
" قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة بعد الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر "
قال ابن بشار: قال يزيد، قال يحيى: فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها عمدت إلى شر بيتها، فقعدت فيه حولا، فإذا مرت بها سنة ألقت بعرة وراءها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا شعبة، عن يحيى، عن حميد بن نافع بهذا الإسناد، مثله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها، أفتكتحل؟ فقال:
" قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي الآن أربعة أشهر وعشر "
قال: قلت: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ قال: كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهن لبست أطمار ثيابها، وجلست في أخس بيوتها، فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار، وقالت: قد حللت. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها أم سلمة، وأم حبيبة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خفت على عينها، وهي تريد الكحل. قال:
" قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول وإنما هي أربعة أشهر وعشر "
، قال حميد: فقلت لزينب: وما رأس الحول؟ قالت زينب: كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها عمدت إلى أشر بيت لها فجلست فيه، حتى إذا مرت بها سنة خرجت، ثم رمت ببعرة وراءها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا معصفرا، ولا تكتحل بالإثمد، ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها، ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب، ولا تلبس حليا وتلبس البياض ولا تلبس السواد. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر في المتوفى عنها زوجها: لا تكتحل، ولا تطيب، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تجلبب به.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: بلغني عن ابن عباس، قال: تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزين وتطيب. حدثنا نصر بن علي، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تمس طيبا، ولا تكتحل، ولا تمتشط. وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد. وقال آخرون: إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن: أنه كان يرخص في التزين والتصنع، ولا يرى الإحداد شيئا. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } لم يقل تعتد في بيتها، تعتد حيث شاءت. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيل، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال ابن عباس: إنما قال الله: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل تعتد في بيتها، فلتعتد حيث شاءت. واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص. وبما: حدثني به محمد بن إبراهيم السلمي، قال: حدثنا أبو عاصم، وحدثني محمد بن معمر البحراني، قال: حدثنا أبو عامر، قالا جميعا: حدثنا محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
" تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت "
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو نعيم وابن الصلت، عن محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. قالوا: فقد بين هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا إحداد على المتوفى عنها زوجها، وأن القول في تأويل قوله: { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } إنما هو يتربصن بأنفسهن عن الأزواج دون غيره. وأما الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وترك النقلة عن منزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها، فانهم اعتلوا بظاهر التنزيل وقالوا: أمر الله المتوفى عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا، فلم يأمرها بالتربص بشيء مسمى في التنزيل بعينه، بل عم بذلك معاني التربص.
قالوا: فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء، إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها. قالوا: فالتربص عن الطيب والزينة والنقلة مما هو داخل في عموم الآية كما التربص عن الأزواج داخل فيها. قالوا: وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب. وأما في النقلة، فإن: أبا كريب حدثنا، قال: ثنا يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته الفريعة ابنة مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: قتل زوجي وأنا في دار، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النقلة، فأذن لي. ثم ناداني بعد أن توليت، فرجعت إليه، فقال:
Página desconocida