وأخذت الجفوة في الاتساع لتتحول إلى عداء جهير صحبته معارك طاحنة انتهت بخروج يهود من يثرب نهائيا، مع إيضاح جديد تحيطنا به الآيات علما في قولها:
من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه (النساء: 46)،
وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه (البقرة: 75)، ناهيك عن تقرير القرآن أن القائلين بأن الله ثالث ثلاثة قد كفروا، قد صحبته معلومة لم تكن معلومة بالتوراة، وهي أن يهود تقول عن الله الذي لم يلد ولم يولد أنه قد أنجب عزيرا ابن الله.
هكذا كانت حسابات الجدل المتفاعل بين صدق الواقع وبين الوحي الصادق الذي طابق الواقع وتحرك معه في درس عظيم من البرمجة والتخطيط، بدأ على أمر وانتهى إلى أمر، وقفت بعده دولة الرسول موحدة شامخة بعد الخلاص من المنكر الإيماني الحي لدعوة الرسول (يهود يثرب).
لكن ما علاقة كل هذا بسؤالنا التأسيسي عن أزمة مؤرقة بين ما يمليه الاعتقاد وبين همومنا القومية والوطنية؟ الإجابة رغم وضوحها فإنها سيبين فيها الخيط الأسود من الخيط الأبيض مع قراءة المحور الثاني للحركة التي تبدأ من وفاة الرسول
صلى الله عليه وسلم
وتوقف الوحي حتى الآن. (5-2) وقائع الحركة الثانية
عملا بخطة الرسول
صلى الله عليه وسلم
التي استنها بنفسه قبل رحيله إلى عالم البقاء، قامت الخلافة من بعده بحروب الفتوحات الكبرى التي انتهت بإدخال دول غير عربية تحت مظلة الدولة الناشطة، بل وتم استعراب سكان البلدان المفتوحة لغة وثقافة وعقيدة ومنهج حياة، فكان أن دخلت في ضفائر العروبة بلدان ذات حضارات عريقة، كان لها مواقف عدائية مع اليهود الغوابر، وفي الوقت نفسه تتلو في مقدسها مواقف تشين جذورها الحضارية وتقتلعهم منها، عبر الإيمان بكفر أصحاب تلك الحضارات من أجداد كانوا لنا عنوان الفخار، ومع وجوب الإيمان بصدق الآخر الإسرائيلي وتبجيله إزاء الوطني العريق. خاصة مع مرور زمان تمكن فيه يهود العالم من إقامة مجد داود وسليمان في أورشليم مرة أخرى باقتطاع أرض عربية من أهلها لصالح شعب الرب والدولة الموعودة بالكتاب المقدس.
Página desconocida