1002

وقالت طائفة: بل الظلم مقدور ممكن والله تعالى لا يفعله لعدله ولهذا مدح نفسه إذ يقول: {إن الله لا يظلم الناس شيئا}، والمدح إنما يكون بترك المقدور، وقالوا: قد قال الله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما}، وقال: {وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون}، وقال: {وما أنا بظلام للعبيد}، وإنما نزه نفسه عن أمر يقدر عليه لا عن المستحيل، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أن الله تعالى يقول: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)) فقد حرم على نفسه الظلم كما كتب على نفسه الرحمة، وفي الصحيح: ((أن الله لما قضى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي)) وما كتبه على نفسه وحرمه على نفسه فلا يكون إلا مقدورا، فالممتنع لنفسه لا يكتبه على نفسه ولا يحرمه على نفسه، وهذا قول أكثر أهل السنة وأهل الحديث والتفسير والفقه والكلام والتصوف. انتهى المراد منه بلفظه.

ولنا فيه شهادة على مطلوبنا وكفى بشهادة الخصم لخصمه، فالمعترض ذاهب إلى غير ما عليه الأكثر كما قال ابن تيمية ومنجرف عن مقتضى هذه الآيات والأحاديث الصحيحة التي ذكر منها هذين الحديثين، بل عن مقتضى حجة العقل التي اعترف بها من اعترف من الأشاعرة في حال الغفلة عن هذا المقام.

[نكتة]

وشيء آخر وهو أن الآيات المشتملة على التمدح منه تعالى بعدم الظلم أكثرها عند ذكر الجزاء ومقام استحقاق الثواب والعقاب وفي ذلك دليل على مذهب العدلية ومن قال بمقالتهم حيث يقولون: إن الباري تعالى لو عكس الجزاء للمطيع والعاصي لكان ظلما تعالى الله عن ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تكن حسنة يضاعفها}، فإنه صريح فيما ذكرناه ولم يجد البيضاوي مجالا لتوجيه الآية على مذهبهم، بل اعترف في المعنى بمرادنا فإنه قال في تفسيره: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} أنه لا ينقص من الإجزاء ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة إلى آخر كلامه، وهو كما ترى.

Página 1132