Las iluminaciones de La Meca
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Editorial
دار إحياء التراث العربي
Edición
الأولى
Año de publicación
1418هـ- 1998م
Ubicación del editor
لبنان
اختلف العلماء في صوم يوم الجمعة فمن قائل يكره صومه ومن قائل يكره صومه إلا أن يصام قبله أو بعده خرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده وخرج البخاري عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال ' أصمت أمس قالت لا قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري ' اعلم أن يوم الجمعة هو آخر أيام الخلق وفيه خلق من خلقه الله على الصورة وهو آدم فبه ظهر كمال إتمام الخلق وغايته وبه ظهر أكمل المخلوقات وهو الإنسان وهو آخر المولدات فحفظ الله به الاسم الآخر على الحضرة الإلهية وحفظه الله بالاسم الآخر فهو الذي ينظر إليه من الأسماء الإلهية ولما جمع الله خلق الإنسان فيه بما أنشأه تعالى عليه من الجمع بين الصورتين صورة الحق وصورة العالم سماه الله بلسان الشرع يوم الجمعة ولما زينه الله بزينة الأسماء الإلهية وحلاه بها وأقامه خليفة فيها بها فظهر بأحسن زينة إلهية في الكمال وخصه الله تعالى بأن جعله أوسع من رحمته تعالى فإن رحمته لا تسعه سبحانه ولا تعود عليه وإن محلها الذي لها الأثر فيه إنما هو المخلوقون ووسع القلب الحق سبحانه فلهذا كان أوسع من رحمة الله وهذا من أعجب الأشياء أنه مخلوق من رحمة الله وهو أوسع منها ومن كان مجلي كمال الحق فلا زينة أعلى من زينة الله فأطلق الله عليه اسما على ألسنة العرب في الجاهلية وهو لفظ العروبة أي هو يوم الحسن والزينة فظهر الحق في كماليته في أكمل الخلق وهو آدم فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق الإنسان فيه الذي خلقه الله على صورته فلم يبق للاقتدار الإلهي كمال يخلقه إذ لا أكمل من صورة الحق فلما كان أكمل الأيام وخلق فيه أكمل الموجودات وخصه الله بالساعة التي ليست لغيره من الأيام والزمان كله ليس سوى هذه الأيام فلم تحصل هذه الساعة لشيء من الأزمان إلا ليوم الجمعة وهي جزء من أربع وعشرين جزأ من اليوم وهي في النصف منه وهو المعبر عنه بالنهار فهي في ظاهر اليوم وفي باطن الإنسان لأن ظاهر الإنسان يقابل باطن اليوم وباطن الإنسان يقابل ظاهر اليوم ألا تراه أمر في رمضان بالقيام بالليل والقيام حكم ظاهر الإنسان فإن الظاهر منه هو المستريح بالنوم وجعل الله النوم له سباتا أي راحة والليل محل التجلي الإلهي والنزول الرباني واستقبال هذا النزول بالقيام الكوني واجب في الطريق أدبا إلهيا وهذا النزول في الليل يقوم مقام الساعة التي في نهار الجمعة لكن النزول في كل ليلة والساعة خاصة بيوم الجمعة فإنها ساعة الكمال والكمال لا يكون إلا واحدا في كل جنس إن كان ذلك الجنس ممن له استعداد الكمال كاستعداد الإنسان وما هو ثم مما قبله غير الإنسان فالإنسان كامل بربه لأجل الصورة ويوم الجمعة كامل بالإنسان لكونه خلق فيه وما خلق فيه إلا في الساعة المذكورة فيه فإنها أشرف ساعاته والحكم فيها للروح الذي في السماء السادسة وهي سماء العدل والاعتدال صفات وكمال الباطن فإن سلطان هذا اليوم هو الروح الذي في السماء الثالثة وله الاستبداد التام في يومه في الساعة الأولى منه والثامنة فهو الحاكم بنفسه تجليا وسائر ساعاته يجري حكمه فيه بنوابه والعلم أكمل الصفات فخص الأكمل بالأكمل والصوم لا مثل له في العبادات فأشبه من لا مثل له في نفي المثلية ومن لا مثل له قد اتصف بصفتين متقابلتين من وجه واحد وهو الأول والآخر وهو ما بينهما إذ كان هو الموصوف وكذلك هو بين الظاهر والباطن وهاتان الصفتان في المعنى واحدة وإنما كان الانقسام فيما ظهر عنها من الحكم فأطلق عليها اسم الظاهر لظهور الحكم عنها واسم الباطن لخفاء سببه فهما نسبتان له فلما لم يكن بد من إثبات هذه الصفة النسبية التي هي معقول حكمها غير معقول حكم الموصوف لم يكن بد من إثباتها وكل حكم له أولية وآخرية في المحكوم عليه فهو الأول والآخر من حيث المعنى واحد ومن ابتدائه وانتهائه طرفان فيما لا ينقسم ولما كان الأمر على ما قررناه كان من أراد أن يصوم الجمعة يصوم يوما قبله أو يوما بعده ولا يفرده بالصوم لما ذكرناه من الشبه في صيام ذلك اليوم وقيام ليلته إذ كان ليس كمثله يوم فإنه خير يوم طلعت فيه الشمس فما أحكم علم الشرع في كونه حكم أن لا يفرد بالصوم ولا ليلته بالقيام تعظيما لرتبته على سائر الأيام وهو اليوم الذي اختلفت فيه الأمم فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فما بينه الله لأحد إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم لمناسبته الكمالية فإنه أكمل الأنبياء ونحن أكمل الأمم وسائر الأمم وأنبيائها ما أبان الحق لهم عنه لأنهم لم يكونوا من المستعدين له لكونهم دون درجة الكمال أنبياؤهم دون محمد صلى الله عليه وسلم وأممهم دوننا في كمالنا فالحمد لله الذي اصطفانا فنحن بحمد الله يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم عين الساعة التي فيها التي بها فضل يوم الجمعة على سائر الأيام كما فضلنا نحن بمحمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم والصوم لله من وجه التنزيه والصوم للإنسان عبادة وموضع الاشتراك الصوم فصوم يوم الجمعة بما هو منه لله وصوم اليوم المضاف إليه بما هو للعبد منه إذ بصيام العبد صح أن يكون الصوم لله وبصيام اليوم المضاف إلى يوم الجمعة صح صوم يوم الجمعة والله عليم حكيم .
وصل في فصل صيام يوم السبت
خرج أبو داود عن عبد الله بن بشر عن أخيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ' لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه ' قال أبو داود هذا منسوخ قال أبو عيسى في هذا الحديث حديث حسن وخرج النسائي عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم ويقول إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم واختلف العلماء في صوم يوم السبت فمن قائل بصومه ومن قائل لا يصام اعلم أن يوم السبت عندنا هو يوم الأبد الذي لا انقضاء ليومه فليله في جهنم فهي سوداء مظلمة ونهاره لأهل الجنان فالجنة مضيئة مشرقة والجوع مستمر دائم في أهل النار وضده في أهل الجنان فهم يأكلون عن شهوة لا لدفع ألم جوع ولا عطش فمن كان مشهده القبض والخوف اللذين هما من نعوت جهنم قال يصومه لأن الصوم جنة فيتقي به هذا الأمر الذي أذهله وقد ورد في كتاب الترغيب لابن زنجويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ' أنه من صام يوما ابتغاء وجه الله بعده الله من النار سبعين خريفا ومثل هذا ومن كان مشهده البسط والرجاء والجنة وعرف أن يوم السبت إنما سمي سبتا لمعنى الراحة فيه وإن لم تكن الراحة عن تعب وهو يوم ما بين ابتداء الحق الذي وقع في يوم الأحد وبين انتهاء الخلق الذي وقع في يوم الجمعة وتلك الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق وقال في يوم السبت وقد وضع إحدى الرجلين على الأخرى أنا الملك وأحكم العالم وقدر في الأرض أقواتها وأوحى في كل سماء أمرها ووضع الموازين وأحال الخلق بعضهم على بعض وجعل منهم المفيض والقابل وأكمل استعداداتهم على أتم الوجوه وفعل كما أخبر من أنه أعطى كل شيء خلقه ووصف نفسه بالفراغ قال من هذا مشهده الحكمة تعطي الفطر في هذا اليوم فحجر صومه ولما في ذلك من التعب الذي يضاد الراحة فإن الصوم مشقة لأنه ضد ما جبل عليه الإنسان من التغذي وأما من صامه لمراعاة خلاف المشركين فمشهده أن مشهد المشرك الشرك الذي نصبه فلما ولي الشريك أمورهم في زعمهم بما ولوه جعل لهم ذلك اليوم عيد الفرحة بالولاية فأطعمهم فيه وسقاهم ولست أعني بالشريك الذي عبدوه واستندوا إليه وإنما أعني بالشريك صورته القائمة بنفوسهم لا عينه فهو الذي أعطاهم السرور في هذا اليوم وجعله عيدا لهم وأما الذين جعلوه شريكا لله فلا يخلو ذلك المجعول أن يرضى بهذا المحال أو لا يرضى فإن رضي كان بمثابتهم كفرعون وغيره وإن لم يرض وهرب إلى الله بما نسبوا إليه سعد هو في نفسه ولحق الشقاء بالناصبين له فمن صامه بهذا الشهود فهو صوم مقابلة ضد لبعد المناسبة بين المشرك والموحد فأراد أن يتصف أيضا في حكمه في ذلك اليوم بصفة التقابل بالصوم الذي يقابل فطرهم ولذلك كان يصومه صلى الله عليه وسلم .
Página 775