214

La gloriosa victoria de Dios en la explicación del libro de la unidad

فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

Géneros

في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" 2. وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة زاعمين أنهم شفعاء لهم فبين سبحانه مقام عظمته وجبروته أنهم لا يسبقونه # بالقول فلا يتكلمون ولا يشفعون إلا لمن أذن له فهم خلف سرادق الهيبة خاضعون خاشعون حتى إذا قضى الله الأمر في السماء لم يثبتوا عند سماع كلام الحق ولم يطيقوا فهمه ابتداء، بل خضعت وفزعت وضربت بأجنحتها وصعقت وسجدت فإذا فزع عن قلوبهم وجلي نهم الفزع قالوا حينئذ: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فهذه حالهم عند تكلمه تعالى بالوحي، إما وحي كلامه الذي يبعث به رسله كما أنزل القرآن، وإما أمره الذي يقضي به من أمر كونه فذلك حاصل في أمر التشريع وأمر التكوين ولهذا قال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم} . [سبأ: 23] . وحتى غاية يكون ما بعدها داخلا فيما ما قبلها ليست بمنزلة إلى التي قد يكون ما بعدها خارج عما قبلها كما في قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} . [البقرة: 187] . وحتى سواء كانت حرف عطف أو حرف جر يتضمن ذلك وما بعدها يكون النهاية التي ينبه بها على ما قبلها فتقول: قدم الحاج حتى المشاة، فقدوم المشاة تنبيه على قدوم الركاب، وتقول: أكلت السمكة حتى رأسها ، فأكل رأسها تنبيه على أكل غيره، فإن كل رؤوس السمك قد تبقى في العادة فهذه الآية أخبر الله تعالى فيها أنه ليس لأحد غيره ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة له ولا شفاعة إلا بعد إذنه، قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . [سبأ: 22، 23] . ثم قال سبحانه: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} . [سبأ: 23] . والضمير في قولهم عن قلوبهم يعود إلى ما دل عليه قوله من أذن له ودل عليه قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون} . [سبأ: 22] . فإن الملائكة تدخل في ذلك، فسلبهم # الملك والشرك والمعاونة، والشفاعة إلا بإذنه ثم بين تعالى حتى إنه تعالى تكلم لا يثبتون لكلامه ولا يستقرون بل يفزعون ولا يفهمون حتى إذا أزيل عنهم الفزع حينئذ يقولون: ماذا قال ربكم؟ وذلك أن ما بعد حتى جملة تامة، وهو قوله: إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، والعامل في إذا هو قوله: قالوا ماذا، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط أي لما زال الفزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، والغاية بعد حتى يكون مفردا كما تقدم ويكون جملة كما في قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} . [يونس: 22، 23] . فأخبر تعالى عن تسيير هؤلاء إلى هذه الغاية فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعضه وصفه سفيان يكفه فحرفها وبدد بين أصابه فيسمع الكلمة مسترق السمع فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه الشهاب فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. وذلك بعد المبعث وأما قبل المبعث فكانوا يسمعون الوحي فيلقونها على ألسنة الكهنة وكان في كل حي كاهن يتحاكمون عنده ويستخبرون الأخبار، وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة وكانوا # يسترقون في بعض الأحوال فلما بعث صلى الله عليه وسلم منعوا من ذلك أصلا فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا السبب في حراسة السماء فآمن من آمن منهم وتمرد من تمرد.

وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل" 1. سبحان من له الملك والملكوت، سبحان من له العز والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت.

Página 262