266

Estudios sobre la Muqaddima de Ibn Jaldún

دراسات عن مقدمة ابن خلدون

Géneros

إن خروج الأقاصي والأطراف عن حكم الدولة وحوزتها لا يخل بكيانها ما دام مركزها محفوظا، «ولكن إذا غلب على الدولة في مركزها؛ فلا ينفعها بقاء الأطراف والنطاق، بل تضمحل الدولة لوقتها؛ لأن المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح، فإذا غلب القلب وملك؛ انهزم جميع الأطراف» (ص162). (6)

يظهر من هذه التفصيلات أن الدولة المستقرة «إذا أخذت في الهرم والانتقاص»، قامت على أنقاضها دول جديدة.

إن «نشأة هذه الدول الجديدة وبداءتها» تكون على نوعين: (أ)

النوع الأول هو أن يستبد ولاة الأعمال في الدولة بالقاصية عندما يتقلص ظلها عنهم، فيكون لكل واحد منها دولة يستجدها لقومه، وما يستقر في نصابه يرثه عنه أبناؤه أو مواليه، ويستفحل لهم الملك بالتدريج. «وربما يزدحمون على ذلك الملك ويتقارعون عليه، ويتنازعون في الاستئثار به، ويغلب منهم من يكون له فضل قوة على صاحبه وينتزع ما في يده» (ص298).

وفي هذا النوع «لا يكون بينهم وبين الدولة المستقرة (الأصلية) حرب؛ لأنهم مستقرون في رياستهم، ولا يطمعون في الاستيلاء على الدولة المستقرة في حرب. وإنما الدولة أدركها الهرم، وتقلص ظلها عن القاصية، وعجزت عن الوصول إليها» (ص298). (ب)

وأما النوع الثاني فهو «بأن يخرج على الدولة خارج ممن يجاورها من الأمم والقبائل، إما بدعوة يحمل الناس عليها - كما أشرنا إليه - أو يكون صاحب شوكة وعصبية، كبيرا في قومه، استفحل أمره، فيسمو بهم إلى الملك، وقد حدثوا به أنفسهم بما حصل لهم من الاعتزاز على الدولة المستقرة، وما نزل بها من الهرم؛ فيتعين له ولقومه الاستيلاء عليها، ويمارسونها بالمطالبة إلى أن يظفروا بها» (ص298).

وخلاصة القول: إن الدولة الحادثة (المستجدة) تكون على نوعين؛ «نوع من ولاية الأطراف، إذا تقلص ظل الدولة عنهم وانحسر تيارها، وهؤلاء لا يقع لهم مطالبة للدولة في الأكثر؛ لأن قصاراهم القنوع بما في أيديهم، وهو نهاية قوتهم» (ص298). «والنوع الثاني نوع الدعاة والخوارج على الدولة، وهؤلاء لا بد لهم من المطالبة؛ لأن قوتهم وافية بها، فإن ذلك إنما يكون في نصاب يكون له من العصبية والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف به، فيقع بينهم وبين الدولة المستقرة حروب سجال، وتتصل إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظفر بالمطلوب» (ص299). (7)

لا يكتفي ابن خلدون بسرد وتعليل هذه القواعد والقوانين بصورة نظرية مجردة، بل يدعم كل واحد منها بعدة شواهد تاريخية.

فهو مثلا حينما يقرر أن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها، يقول: «انظر أيضا شأن العرب أول الإسلام، لما كانت عصائبهم موفورة، كيف غلبوا على ما جاورهم من الشام والعراق ومصر لأسرع وقت، ثم تجاوزوا ذلك إلى ما وراءه من السند والحبشة وإفريقية والمغرب، ثم إلى الأندلس. فلما تفرقوا حصصا على الممالك والثغور، ونزلوها حامية، ونفد عددهم في تلك التوزيعات؛ أقصروا عن الفتوحات بعد، وانتهى أمر الإسلام، ولم يتجاوزوا تلك الحدود، ومنها تراجعت الدولة» (ص162).

وكذلك عندما يبدي ابن خلدون رأيه في النتائج التي تترتب على مغلوبية الدولة في مركزها يقول: «انظر هذا في الدولة الفارسية؛ كان مركزها المدائن، ولما غلبها المسلمون على المدائن؛ انقرض أمر فارس أجمع، ولم ينفع «يزدجرد » ما بقي في يده من أطراف ممالكه. وبالعكس من ذلك الدولة الرومية في الشام، لما كان مركزها القسطنطينية وغلبهم المسلمون بالشام؛ اتجهوا إلى مركزهم بالقسطنطينية، ولم يضرهم انتزاع الشام من أيديهم، فلم يزل ملكهم مستقلا بها» (ص162).

Página desconocida