Estudios sobre la Muqaddima de Ibn Jaldún
دراسات عن مقدمة ابن خلدون
Géneros
3
إنني لم أقل بهذا المبدأ، ولم أضع هذا الدستور تعصبا وتحزبا لابن خلدون، بل قلت بهذا المبدأ لأنني وجدته سائدا في تاريخ العلوم والعلماء، وسردت هذا الدستور لأنني رأيته رائد القوم على الدوام.
وأقول بلا تردد: لولا ذلك لما استطاع أحد من المفكرين والعلماء السالفين أن يحتفظ بمكانته العلمية والفكرية في هذا العصر، بين تطور العلوم الهائل وتقدمها المستمر.
هذا أرسطو، الذي يعد أكبر المفكرين الذين عرفتهم البشرية، والذي يلقب لذلك بلقب «المعلم الأول»، هذا أرسطو نفسه قد وقع في أخطاء وأغلاط كثيرة وكبيرة جدا في مؤلفاته المختلفة، فإذا أراد أحدنا أن يحصيها ويجمعها لاستطاع أن يؤلف منها مجلدا ضخما.
إن بعض هذه الأخطاء والأغلاط كانت جوهرية خطيرة تتعلق بأسس العلوم نفسها:
كان أرسطو يقول مثلا في ميدان علوم الطبيعة بنظرية العناصر الأربعة، ويعتبر كلا من الماء والهواء والتراب والنار عنصرا من عناصر الأشياء، ومن المعلوم أن علمي الفيزياء والكيمياء قد قاما على إنكار هذه النظرية من أساسها.
وكان يقول في ساحة علم الحياة بنظرية «التناسل التلقائي»، ويعتقد بأن الديدان والحشرات تتولد من تلقاء نفسها من الطين والجيف، ومن المعلوم أن علم الحياة الحالي قد برهن على بطلان هذه النظرية برهنة قاطعة.
وكان أرسطو يقول في ساحة الاجتماعيات بضرورة الرق، ويعتقد بأن الاسترقاق من ضرورات الحياة الاجتماعية، وكان يعلل اعتقاده هذا بقوله: «إن بعض الناس خلقوا ليكونوا أسيادا، وبعضهم خلقوا ليكونوا عبيدا.» حتى إنه كان يرى أن «الغزو للحصول على العبيد» مشروع بقدر «الصيد لاقتناص الحيوانات». ومن المعلوم أن تطورات الحياة الاجتماعية سارت دائما على أساس إنكار هذا الرأي بوجه حاسم بات.
وزيادة على ذلك، فإن بعض الآراء التي قال بها أرسطو كانت من نوع السفسطات والمغالطات، فقد قال - مثلا: «إن الخط المستقيم لا يمكن أن يكون كاملا بوجه من الوجوه؛ لأن هذا الخط المستقيم إذا كان غير متناه كان غير كامل؛ إذ إن الكمال في الخط لا يتم إلا عندما يكون له شكل مرسوم بوضوح، وأما إذا كان الخط المستقيم المذكور متناهيا فلا يكون كاملا أيضا؛ لأنه يبقي في هذه الحالة ما هو خارج عنه بطبيعة الأمر ...» ومن الواضح أن كل ذلك من لغو الكلام، وهو يدل على المغالطة في البرهنة والبيان.
فإذا كان أرسطو لا يزال يتمتع بمنزلة ممتازة ومكانة خارقة في تاريخ العلوم والأفكار، فما ذلك إلا لأن التاريخ المذكور يراعي على الدوام المبدأ الذي ذكرته آنفا.
Página desconocida