El Estado Otomano antes y después de la Constitución
الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده
Géneros
الصناعة
إن الصناعة في البلاد العثمانية أسوأ حالا من الزراعة، مع أن فيها منشأ كثير من الصناعات القديمة التي بادت كصناعة الزجاج والقرمز في فينيقيا. والنحت والحفر وصناعة التماثيل في جزر الأرخبيل. والرسم وما لحق به من نتاج الفنون الجميلة في القسطنطينية وما وليها من بلاد الروملي. وكان آخر هذه الصناعات عهدا بالاضمحلال صناعة القاشاني البديعة في دمشق الشام، وهو معلوم أن معظم الأمم القاطنة في بلاد الروملي والأناضول والجزر اليونانية وسوريا وأعالي العراق ممن اشتهر في أكثر العصور بالحذق والمهارة في الصناعة ولكن صروف الزمان التي انتابت بلادهم قوضت في جملة ما قوضت أركان صناعتهم، ثم قامت معامل البخار في أوروبا فكانت الضربة القاضية عليها.
ومع ذلك فلا يزال في كثير من هذه البلاد كثير من الصناعات الخاصة بها مما يستعمل لحاجات السكان من المصنوعات المعدنية من الذهب والفضة والنحاس والحديد والحجارة الكريمة والمنسوجات الحريرية ومحوكات الصوف والقطن وصناعة الخشب والدباغة وزخرف البناء وغير ذلك، وإن لهم في بعض هذه الصناعات مهارة توشك أن تستغرب من قوم طال عهد القطيعة بينهم وبين نتاج الصناعة في العلم الحديث. وحسبك أن تدخل جامع الخليفة عمر الذي جدد بناؤه حديثا في دمشق الشام أو تنظر إلى المنسوجات الحريرية في كثير من المدن ونفس القرى؛ تتحقق أن جرثومة الصناعة حية تنهض منبعثة لأول دافع يدفعها.
ولا شك أن هذه الصناعات - على قلتها - تفيد البلاد فائدة جزيلة بما تستخرجه لأهاليها من لوازمهم، وما تفيضه من الرزق على العملة والتجار. ولكن هذه الفائدة لا تذكر بإزاء ما تحتمله البلاد بما فيها من يد عامل ونتاج تربة وطبيعة؛ إذ لا يكاد أكثر هذه المصنوعات يكفي السكان، وإذا استثنينا مصنوعات قليلة كالسجاد الذي يصدر من أزمير والصدف المنقوش الذي يصدر من بيت لحم والكهرباء من صنع الأستانة، فليس في البلاد العثمانية صادر صناعة إلى الخارج وأشد من ذلك عليها أن الوارد من المصنوعات الإفرنجية من نفس المصنوعات المحلية يربو كثيرا على ما يصرف في البلاد من مصنوع أهلها.
وأغرب من هذا أن في أوروبا مصنوعات كثيرة مما لا يستعمل فيها وإنما يصنع فيها ليرسل إلينا، ولربما جهل الصناع وجهة استعماله كالمنسوج المعروف باليازمة وكوفيات العرب المعروفة باليشمق وزجاج النراكيل. حتى الفيوس أو الطرابيش التي هي شعار العثمانيين لم ينشأ لها معمل إلا لعهد قريب بهمة الخزينة الخاصة، ولكنه لا يخرج إلا جزءا مما تستلزمه حاجة البلاد.
ولربما أخذوا مادة تلك المصنوعات من عندنا، فربح بها التاجر، وأرسلت إليهم فأنفقوا على نقلها ورسومها وأدخلوها معاملهم فأخذ العامل أجرته الباهظة، وأضيفت إليها نفقات الشحن والرسوم، وأرباح أصحاب المعامل والتجار فذهبت جزة الصوف من عندنا بثمن زهيد، وأعيدت إلينا طرابيش أو غيرها بأضعاف أضعاف ثمنها. وتوزعت أرباحها على أصناف الناس. ولم يصبنا منها إلا الثمن الأصلي الطفيف.
وإنه ليؤلم العثمانيين - بعد نهضتهم هذه - أن تكون تلك حالة الصناعة في بلادهم، وجميع مواد الصناعة ومعداتها متوفرة لديهم، فعندهم العامل الحاذق النشيط، وعندهم الفحم الحجري ومنتجات القوة المتفرقة في أنحاء البلاد، من منحدرات الأنهار الكبيرة إلى شلالات الجداول الصغيرة التي تولد الكهرباء بقوة ألوف الأحصنة، وعندهم أحسن المواد اللازمة لمعامل الحديد والخشب والزجاج حتى بناء السفن، وعندهم الحرير والصوف والقطن والكتان للمنسوجات على اختلاف أنواعها، وعندهم المعادن المختلفة وسائر اللوازم المادية. فإذا نشطوا من عقال الخمول فشأنهم في إتقان الصناعة لا يقل عنه في سائر الشئون.
ولقد حدت الهمة فيما مضى كثيرين منهم إلى إنشاء المعامل على الطرز الأوروبي فلم يفلح إلا القليل، وهذه معامل الورق في الأستانة وبيروت لم تكد تعيش حتى ماتت؛ إذ لم يكن في البلاد من ينشط الصناعة، وموازرة الحكومة مفقودة. ولكن حيث توفرت أسباب النجاح وساد الأمن وأخذت الحيطة اللازمة لإتقان الصنعة ما لبث الأهالي أن أفلحوا وانتزعوا الصناعة من أيدي الأوروبيين أنفسهم، وهذه معامل حل الحرير في جبل لبنان لا تخلو منها الآن بقعة من بقاعه وهي تكاد تكون كلها لأهله، وقد كانت منذ سنين قلائل بضعة معامل في يد الأوروبيين، فما تعلم السكان تلك الصناعة حتى شاد تجارهم معامل خاصة بهم. وبمدة يسيرة استولوا على صناعة جديدة على الطراز الحديث، فكانت مورد رزق عظيم لجميع سكان البلاد.
التجارة
إن بلادا كبلاد الدولة العثمانية، وهي عروة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث، كان يجب أن تكون قابضة على أوثق أزمة التجارة، فحيثما سرحت نظرك على موقعها في رسم الكرة، من ضفة الطونا إلى السودان، ومن بلاد إيران إلى بحر الأدرياتيك؛ رأيتها مرتبطة بآسيا وأوروبا وأفريقيا بصلات طبيعية تجعل لها ميزة خاصة تعز على ما سواها، وخصوصا أن لها ثغورا تشرف على البحار شرقا وغربا وشمالا في طريق لا يكاد يفصله فاصل من البحر الأحمر بترعة السويس حتى بحر عمان والأوقيانوس الهندي وخليج فارس.
Página desconocida