359

Dala'il al-I'jaz

دلائل الإعجاز ت الأيوبي

Editor

ياسين الأيوبي

Editorial

المكتبة العصرية

Edición

الأولى

Ubicación del editor

الدار النموذجية

Géneros
semantics
Regiones
Irak
Imperios y Eras
Selyúcidas
وإذْ قد عرفْتَ هذا في الكناية، فالاستعارةُ في هذه القضية. وذاكَ أنَّ موضوعَها، على أنك تُثْبِتُ بها معنى لا يَعْرِفُ السامعُ ذلكَ المعنى من اللفظِ، ولكنَّه يَعرفُه من معنى اللفظِ. بَيانُ هذا أَنَّا نَعْلم أَنَّك لا تقولُ: (رأيتُ أسدًا)، إلا وغَرضُكَ أَن تُثْبِتَ للرجُل أَنه مساوٍ للأَسد في شجاعته، وجُرْأته، وشدَّة بطْشه، وإقدامه، وفي أنَّ الذعْرَ لا يُخامرُه، والخوفَ لا يَعرِضُ له. ثم تَعْلم أَنَّ السامعَ إذا عَقَل هذا المعنى، لم يَعقِلْه من لفظِ "أسَد" ولكنَّه يَعقِلُه من معناه، وهو أنه يَعْلم أَنه لا معنى لجعله "أسدًا" مع العلم بأنه رجُل، إلاَّ أنك أردْتَ أنه بلغَ من شدة مُشابَهتِه للأَسد ومساواتِه مبْلغًا يُتَوهَّم معه أَنه أَسدٌ بالحقيقة، فاعرفْ هذه الجملةَ وأحْسِنْ تأمُّلَها!
واعلمْ أَنكَ تَرى الناسَ وكأنهم يرَوْن أَنك إذا قلتَ: (رأيت أسدًا)، وأنتَ تُريد التشبيهَ كنتَ نقلْتَ لفْظَ "أسد" عما وُضع له في اللغة، واستعملْتَه في معنى غيرِ معناه، حتى كأنْ ليس الاستعارةُ إلاَّ أن تَعْمدَ إلى اسْم الشيءِ فتجعلَه اسمًا لشبيهه، وحتى كأنّْ لا فصْلَ بين الاستعارةِ وبينَ تسميةِ المطرِ سماءً، والنبتِ غيثًا، والمزادةِ رواية، وأشباهِ ذلك ممَّا يوقَع فيه اسمُ الشيءِ على ما هو منه بسبَبٍ. ويَذْهبون عمَّا هو مركوزٌ في الطباع من أنَّ المعنى فيها المبالَغةُ، وأَنْ يُدَّعى في الرجُل أَنه ليسَ برجُل ولكنه أَسدٌ بالحقيقة، وأَنه إنما يُعار اللفظُ مِنْ بعد أنْ يعارَ المعنى، وأَنه لا يُشْرَكُ في اسم الأسدِ إلاَّ من بَعْد أن يُدْخَل في جنس الأَسدِ. لا تَرى أحدًا يَعْقِل إِلاَّ وهُو يَعْرفِ ذَلك إذا رجَعَ إلى نفسه أدنى رُجوعٍ.
تحقيق معنى الاستعارة وكونها أبلغ من الحقيقة

1 / 358