86

فمضى من فوره بحثا عن حصانه دون أن تغيب عنه لومضة خاطفة صورة الزناتي فارس تونس وابن أخته العلام.

ومن عادات أبي زيد الهلالي وما اشتهر عنه قدرته الفائقة على إعمال خياله، والتنبؤ الدقيق بتفاصيل ومصاعب ووعورة ما يمكن أن يحدث ويقع له من مصائب قبل حصولها.

فهو لا يترك أبدا للصدفة منفذا لإطباق حصارها سواء جاءت تلك الصدفة وعشوائياتها لتعرقل مسيرته من جانب طريق وعر، أو خدعة حربية أو تفوق لقوى قد تتصدى لفيالق وكتائب الهلاليين التي كثيرا ما كان يأخذ على عاتقه مهمات سلامتها، وتذليل واختراق ما يواجهها من صعاب.

من هنا مضى أبو زيد يراجع نفسه متذكرا ما حدث له ولرفاقه داخل أسوار تونس، وخاصة وجهي فارسيها خليفة الزناتي والعلام، وذلك منذ قدومهم إلى استطلاع مهمتهم داخل قرطاج تونس، فوقع لهم ما وقع من العلام بن هضيبة وزناتي تونس الذي واجهه أبو زيد داخل قصر العزيزة بلحمه وشحمه وهو لا يصدق عينيه ومشاعره.

فلقد مضى يستطلعه عن قرب وكما لو كان يتعرف مسالك طريق أو خطة حربية من تلك التي اشتهر بها أبو زيد.

توقف أبو زيد الهلالي مستطلعا بعينيه، مطلقا بصره على الأفق اللانهائي لوادي الرشراش الفسيح المغطى بالكلأ، والذي على سفوح مرتفعاته وعبره ستجرى يوما «وقائع» الهلالية مع الزناتي والعلام وجيوشهما الجرارة وعمقها الممتد على طول المغرب العربي والجزائر حتى الأندلس.

تصور أبو زيد بعميق خياله سيول الدم المراق الذي سيجري أنهارا عند أخاديد وادي الرشراش الذي سترابط فيه كتائب وفيالق الهلالية فارضة حصارها على بوابات وقلاع قرطاج وما يتبعها ربما سنين طوال، مطالبين بالإفراج عن أسراهم الثلاثة أمراء يونس ومرعي ويحيى أبناء السلطان حسن بن سرحان، الذين وعلى عكس كل تصور غرقوا بكاملهم كل في قصة حب وعشق دامية، وكما لو كانوا على موعد معها أو كانوا مجرد عطاشى في أعماق الصحارى العربية عثروا على مائهم يروي ظمأهم.

وذلك حين استجاب يونس - رغم تحذيرات أبي زيد - في حب عزيزة إلى حد أنهما أصبحا لا يفترقان لحظة.

ونفس الشيء وقع لمرعي مع سعدى بنة الزناتي، بل وحتى الأمير الصغير يحيى الذي استهوته مي الحزينة، فأصبح لا ينام ويصحو إلا عليها وعلى شمائلها وصوتها الأخاذ.

صحيح أن ذلك لم يكن أبدا غايتهم ومقصد آمالهم، وهدف ريادتهم من نجد المرية إلى قرطاج عبر تلك الرحلة المضنية ومخاطرها، لكن لا بأس طبعا مما حدث من حب وعشق وغرام طالما أنها ستكون السياج الحامي والحافظ لسلامة الأمراء الثلاثة، خاصة يونس الذي يضعه أبو زيد في موقع حدقتي عينيه.

Página desconocida