487

Carais Bayan

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regiones
Irán
Imperios y Eras
Abbasíes

قال الأستاذ : يظهر الأعداء في صد الخلة ، ثم بردهم إلى سوابق القسمة ، ويبرز الأولياء بنعت الخلاف والزلة ، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة.

ويقال : أقامه في حجال القربة ، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعد له من سابق التقدير ، فأصبح والكل دون رتبته ، وأمسى والكلب فوقه مع خساسته ، وفي معناه أنشدوا :

فبتنا بخير والدنا مطمئنة

وأصبحت يوما والزمان تقلبا

ثم إن الله سبحانه علق ضلالته بالقسمة السابقة ، والمشيئة الأزلية التي لا تتأثر بتأثير الاكتساب بقوله : ( ولو شئنا لرفعناه بها ).

أي : ولو شئنا في الأزل اصطفائيته لولايتنا لم يؤثر فيها مخالفة الظاهر ؛ لأن قسمة الأزل تقصم تواترات الطبيعة ، وتتصل بالعناية الأبدية ، والرعاية السرمدية ، وليس تقاعده عن طاعة مولاه علة المشيئة ، بل المشيئة علة عصيانه.

قال ابن عطاء : ولو جرى له في حكم الأزل السعادة ، لأثر ذلك عليه في عواقب سعيه وكدحه في أواخر أحواله.

وقال الأستاذ : لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تلحقه الشقاوة الأبدية ، ولكن من قصمته السوابق لم تسعفه اللواحق ، وصدق سبحانه بآية أخرى ما ذكرنا في الآية ، بقوله :

( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) أي : من اجتباه الله بقربه ومعرفته في الأزل ، فجميع أمره على نظام تلك الاجتبائية.

قال بعضهم : ليس الناجي من سعى ، وأحسن السعي ، إنما الناجي من سبقت له الهداية من الهادي.

قال الله : ( من يهد الله فهو المهتدي )، ثم وصف الخاسرين بأنهم محجوبون عن ساحة كبريائه ، ورؤية جلاله ، بقوله : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) أي : قلوبهم محجوبة عن مشاهدة الغيوب ، ولو أدركت تلك المشاهد لذاقت طعم الوصال ، وفهمت حقائق معالي النوال ، وعيونهم في غواشي الشهوات ، ولو خرجت منها لأبصرت أنوار الصفات ، وما التفتت منها إلى جميع المرادات ، وآذانهم في أثقال الغفلات ، ولو خرجت من تحتها لسمعت أصوات الوصلة ، وألحان هواتف بلابل القربة ، وطابت بسماعها وصاعت من جميع الملاهي.

قيل : لهم قلوب لا يفقهون بها شواهد الحق ، ولهم أعين لا يبصرون بها دلائل الحق ، ولهم آذان لا يسمعون بها دعوة الحق ، ثم وصفهم بأنهم أغفل من البهائم في الضلالة ؛ لأن للبهائم استعداد قبول التأديب فيقبلون التأديب ، ولهم أيضا استعداد قبول التأديب ، ولا

Página 497