Carais Bayan

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regiones
Irán
•
Imperios y Eras
Abbasíes

مقدمة المصنف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي كان في أزل الآزال ، موجودا بوجوده ، وذاته كنوز صفاته ، وصفاته معادن جوده ، تقدست ذاته بذاته عن الأضداد ، وتنزهت صفاته بصفاته عن الأنداد ، قدمه متعال عن الكون والفساد ، وأزله مسرمد إلى أبد الآباد ، تفرد بوحدانيته عن الأماكن والأكوان ، وتوحد بجلاله عن المشابهة بالحدثان ، علم في القدم ما يبين بإرادته من العدم ، وأجرى بمقاديره القلم ، ورقم على اللوح المحفوظ ما قضى وقسم ، لم يزل متكلما بكلامه القديم ، وعالما بعلمه الأزلي الكريم ، فأوجد جوهر البسيط بقوته القدمية ، وكلماته الأزلية في فضاء القدرة ، وأبدع منه فطرة الخليقة ، وأخرج من أديان القدر المقدورات بصنع الألوهية ، ولباس العبودية ، واصطفى من تلك الجوهرة ، وطبيعة الأولية فطرة آدم عليه السلام على جميع العالم ، وعلمه الأسماء كلها ، وجعله من جميع البرية أصلها ، وأخرج من عنصر الأرواح والأشباح ، واختار منها صفوة الأنبياء والرسل والأولياء بالرسالة والولاية ، وخاطبهم بخطابه الأزلي ، وكلامه الأبدي ، ليدعو به عباده إلى خدمته ، وشوقهم إلى مشاهدته ، واجتبى من بينهم في الأزل روح المصطفى صلى الله عليه وسلم بأفضل الدرجات ، وأكرم المداناة ، واصطفاه المقام المحمود ، وكمال الكرم والجود ، وخاطبه بأشرف كلامه ، وأكرم فرقانه وقرآنه ، الذي فيه بيان مكنون أسرار ذاته ، وألوان صفاته ، وعجائب علومه الغيبية ، وغرائب آياته الأزلية ، وأرسله إلى كافة البرية ؛ ليهديهم به إلى الحق والحقيقة.

ثم أعطى أزمته الظاهرة إلى يد أهل الظاهر من العلماء والحكماء ؛ حتى شرعوا في أحكامها وحدودها ورسومها وشرائعها ، وجعل خالصة أهل صفوته غيبة أسرار خطابه ، ولطائف مكنون آياته ، وتجلى من كلامه ، بنعت الكشف والعيان والبيان لقلوبهم وأرواحهم وعقولهم وأسرارهم ، وأعلمهم علوم حقائقه ، ونوادر دقائقه ، وصفى دروج عقولهم بكشوف أنوار جماله ، وقدس فهومهم لسناء جلاله ، وجعلها مواضع ودائع خفي رموز خطابه ، وما أودع كتابه من غوامض أسراره ، ولطيف إشاراته من علوم المتشابهات ومشكلات الآيات ، وعرفهم معاني ما أخفاه في القرآن بنفسه حتى عرفوا بتعريفه إياهم ، وكحلهم بنور قربه ووصاله ، وأطلعهم على غيبيات عرائس الحكم والمعارف والكواشف ، ومعاني فهم الفهم ، وسر السر الذي ظاهره في القرآن حكم ، وفي باطنه إشارة وكشف ، الذي استأثره الحق

Página 11

لأصفيائه ، وأكابر أوليائه ، وغرباء أحبائه من الصديقين والمقربين ، وستر هذه الأسرار والعجائب على غيرهم من علماء الظاهر ، وأهل الرسوم الذين هم في حظ وافر من الناسخ والمنسوخ والفقه والعلم ، ومعرفة الحلال والحرام ، والحدود والأحكام.

وتلك الصفوة الصادقة الذين فتح الله على قلوبهم من لطائف دقائق كتابه ، وما كتم على أسرار غيرهم من سني فضائل مكاشفاته ، نطقوا على حسب مقاماتهم بين يدي جبروته ، وقدر سيرانهم في ميادين ملكوته بإشارات شافية ، وعبارات كافية من قلوب صافية ، وعقول راسخة ، وأرواح عاشقة ، وأسرار مقدسة ، وهم في إدراك إشارات القرآن بالتفاوت ، كتفاوتهم في درجات المعاينات ، والمكاشفات ، والحالات ، والمداناة ، ورؤية المغيبات ، وما لاح لأسرارهم من أنوار الأزليات والأبديات ، وما بلغوا فيما نطقوا ، وأخبروا قعر بحار القرآن ؛ لأنه صفات الرحمن ، ولا يدرك جميع حقائقه أهل الحدثان.

وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم السفير الأعلى ، وسيد أهل الآخرة والأولى ، وشفيع الورى الذي سافر بيداء الآزال والآباد ، ودنا من القدم حتى لم يبق بينه وبين الحق ؛ إلا قاب قوسين أو أدنى ، عليه التحية الأسنى والبركات الأنمى ، وعلى آله نجوم الهدى ، وأصحابه مصابيح الدجى.

أما بعد ...

فإن أطيار أسراري لما فرغت من الطيران في المقامات والحالات ، وارتفعت من ميادين المجاهدات والمراقبات ، ووصلت إلى بساتين المكاشفات والمشاهدات ، وجلست على أغصان ورد المداناة ، وشربت شراب الوصال ، وسكرت برؤية الجمال ، وولهت في أنوار الجلال ، وصحت من مقام القدس بذوق الأنس ، وتلقفت من فلق الغيب شقائق دقائق القرآن ، ولطائف حقائق العرفان ، فطارت بأجنحة العرفان ، وترنمت بألحان الجنان في أحسن البيان بهذا اللسان في رموز الحق التي أخفاها على فهوم أهل الرسوم.

وما تصديت لهذا الأمر إلا بعد خاطري بالمعرفة والحكمة الربانية ، واقتديت بالصدر الأول من المشايخ الكرام في تفسير حقائق الكلام ، ولما وجدت أن كلامه الأزلي لا نهاية له في الظاهر والباطن ، ولم يبلغ أحد من خلق الله إلى كماله ، وغاية معانيه ؛ لأن تحت كل حرف من حروفه بحرا من بحار الأسرار ؛ ونهرا من أنهار الأنوار ؛ لأنه وصف القدم.

وكما لا نهاية لذاته ، لا نهاية لصفاته ، قال الله تعالى : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) [لقمان : 27] ، وقال : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) [الكهف :

Página 12

19].

وعن أبي جحيفة ، قال : سألت عليا رضي الله عنه وكرم الله وجهه : هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الوحي سوى القرآن! قال : لا فالذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه (1).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن القرآن سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ومطلع» (2).

وقال جعفر بن محمد : كتاب الله على أربعة أشياء : العبارة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق ؛ فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء.

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ما من آية إلا ولها أربعة معان : ظاهر ، وباطن ، وحد ، ومطلع ؛ فالظاهر : التلاوة ، والباطن : الفهم ، والحد : هو أحكام الحلال والحرام ، والمطلع هو : مراد الله من العبد بها.

قيل : القرآن عبارة ، وإشارة ، ولطائف ، وحقائق ، فالعبارة للسمع ، والإشارة للعقل ، واللطائف للمشاهدة ، والحقائق للاستسلام.

وقال الجنيد : كلام الله على أربعة معان : ظاهر ، وباطن ، وحق ، وحقيقة.

وقال جعفر الصادق : يقرأ القرآن على تسعة أوجه : الحق ، والحقيقة ، والتحقق ، والحقائق ، والعقود ، والعهود ، والحدود ، وقطع العلائق ، وإجلال المعبود.

وقال الجريري : كلام الله متصل بعبده ، والعبد متوقع المزيد من ربه في كل حال.

وقال جعفر الصادق : أنزل القرآن على سبعة أنواع : على التعريف ، والتكليف ، والتعطيف ، والتشريف ، والتأليف ، والتخويف ، والتكفيف ، ثم نزل أمرا ونهيا ، ووعدا ووعيدا ، ورخصا وتأسيسا ، وتمحيصا ، ثم نزل داعيا ، وراعيا ، وشاهدا ، وحافظا ، وشافيا ، ودافعا ، ونافعا ، فتعرضت أن أغرف من هذه البحور الأزلية غرفات من حكم الأزليات ، والإشارات الأبديات التي تقصر عنها أفهام العلماء ، وعقول الحكماء ، اقتداء بالأولياء ، وأسوة بالخلفاء ، وسنة للأصفياء ، وصنفت في حقائق القرآن كتابا موجزا مخففا لا إطالة فيه ولا إملال ، وذكرت ما سنح لي من حقيقة القرآن ، ولطائف البيان ، وإشارة الرحمن في القرآن بألفاظ لطيفة ، وعبارة شريفة ، وربما ذكرت تفسير آية لم يفسرها المشايخ ، ثم أردفت بعد قولي

Página 13

أقوال مشايخي مما عبارتها ألطف ، وإشارتها أظرف ببركاتهم ، وتركت كثيرا منها ؛ ليكون كتابي أخف محملا ، وأحسن تفصيلا ، واستخرت الله تعالى في ذلك ، واستعنت به ؛ ليكون موافقا لمراده ، ومواظبا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأولياء أمته ، وهو حسبي وحسب كل ضعيف ، وسميتها : ب «عرائس البيان في حقائق القرآن».

وما أصبت ذلك ؛ فهو بتأييد الله ونصرته ، وما أخطأت فيه ؛ فهو لازم لي ، وأنا أستغفر الله تعالى من ذلك ، إنه غفور حليم ، جواد كريم ، رءوف رحيم.

Página 14

سورة فاتحة الكتاب

( بسم الله الرحمن الرحيم (1))

سميت الفاتحة فاتحة ؛ لأنها مفتاح أبواب خزائن أسرار الكتاب ؛ ولأنها مفتاح كنوز لطائف الخطاب ، بانجلائها ينكشف جميع القرآن لأهل البيان ؛ لأن من عرف معانيها يفتح بها أقفال المتشابهات ، ويقتبس بسنائها أنوار الآيات.

( بسم ): «الباء» : كشف البقاء لأهل الفناء ، و «السين» : كشف سناء القدس لأهل الأنس ، و «الميم» : كشف الملكوت لأهل النعوت ، و «الباء» : بره للعموم ، و «السين» : سره للخصوص ، و «الميم» : محبته لخصوص الخصوص ، و «الباء» : بدء العبودية ، و «السين» : سر الربوبية ، و «الميم» : منة في أزلية على أهل الصفوة.

و «الباء» من بسم أي : ببهائي بقاء أرواح العارفين في بحار العظمة.

و «السين» من بسم أي : بسنائي سمت أسرار السابقين في هواء الهوية.

و «الميم» من بسم أي : بمجدي وردت المواجيد قلوب الواجدين من أنوار المشاهدة.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الباء بهاؤه ، والسين سناؤه ، والميم مجده» (1).

وقيل في ( بسم الله ): بالله ظهرت الأشياء ، وبه فنيت ، وبتجليه حسنت المحاسن ، وباستناره فتحت المفاتح.

وحكي عن الجنيد أنه قال : إن أهل المعرفة نفوا عن قلوبهم كل شيء سوى الله ، فقال : لهم قولوا : ( بسم الله ) أي : بي فتسموا ، ودعوا انتسابكم إلى آدم عليه السلام .

وقيل : إن «بسم» يبقى به كل الخلق ، فلو افتتح كتابه باسمه ؛ لذابت تحته حقيقة الخلائق ، إلا من كان محفوظا من نبي ، أو ولي.

وروى علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد قال : «بسم» : «الباء» بقاؤه ، و «السين» أسماؤه ، و «الميم» ملكه ، فإيمان المؤمن ذكره ببقائه ، وخدمة المريد ذكره بأسمائه ، والعارف فناؤه عن المملكة بالمالك لها.

وأما «الله» : فإنه اسم الجمع لا ينكشف إلا لأهل الجمع ، وكل اسم يتعلق بصفة من صفاته إلا الله ؛ فإنه يتعلق بذاته وجميع صفاته لأجل ذلك ، وهو اسم الجمع أخبر الحق عن

Página 15

نفسه باسمه الله ، فما يعرفه إلا هو ، ولا يسمعه إلا هو ، ولا يتكلم به إلا هو ؛ لأن الألف إشارة إلى الأنانية والوحدانية ، ولا سبيل للخلق إلى معرفتها إلا الحق تعالى.

وفي اسمه «الله» لامان : الأولى : إشارة إلى الجمال ، والثانية : إشارة إلى الجلال ، والصفتان لا يعرفها إلا صاحب الصفات ، و «الهاء» : إشارة إلى هويته ، وهويته لا يعرفها إلا هو ، والخلق معزولون عن حقائقه ، فيحتجبون بحروفه عن معرفته «بالألف» : تجلي الحق من أنانيته لقلوب الموحدين ، فتوحدوا به ، و «باللام الأولى» : تجلي الحق من أزليته لأرواح العارفين ، فانفردوا بانفراده ، و «باللام الثانية» : تجلى الحق من جمال مشاهدته لأسرار المحبين ، فغابوا في بحار حبه ، و «بالهاء» : تجلى الحق من هويته لفؤاد المقربين ، فتاهوا في بيداء التحير من سطوات عظمته.

قال الشبلي : ما قال الله أحد سوى الله ، فإن كان من قاله بحظ ، وأنى يدرك الحقائق بالحظوظ.

وقال الشبلي : الله ، فقيل له : لم لا تقول : لا إله إلا الله؟ فقال : لا أبقي به ضدا.

وقيل في قوله : «الله» : هو المانع الذي يمنع الوصول إليه ، كما امتنع هذا الاسم عن الوصول إليه حقيقة ، كأن الذات أشد امتناعا ، عجزهم في إظهار اسمه لهم ؛ ليعلموا بذلك عجزهم عن درك ذاته.

وقيل في قوله : ( الله ): «الألف» : إشارة إلى الوحدانية ، و «اللام الأولى» : إشارة إلى محو الإشارات ، و «اللام الثاني» : إشارة إلى محو المحو في كشف الهاء.

وقيل : الإشارة في «الألف» هي قيام الحق بنفسه ، وانفصاله عن جميع خلقه ، فلا اتصال له بشيء من خلقه ؛ كامتناع «الألف» أن تتصل بشيء من الحروف ابتداء ، بل تتصل الحروف بها على حد الاحتياج إليها ، واستغنائها عنهم.

وقيل : ليس من أسماء الله اسم يبقى على إسقاط كل حرف منه إلا الله ، فإنه الله ، فإذا أسقطت منه «الألف» يكون «لله» ، فإذا أسقطت أحد لاميه يكون «له» ، فإذا أسقطت اللامين بقيت الهاء ، وهو غاية الإشارة.

وقال بعضهم : «الباء» : باب خزانة الله ، و «السين» : سين الرسالة ، و «الميم» : ملك الولاية.

وقال بعضهم : بالله سلمت قلوب أولياء الله من عذاب الله ، وبشفقته تطرقت أسرار أصفياء الله إلى حضرته ، وبرحمته تفردت أفئدة خواص عباده معه.

وقال بعضهم : بالله تحيرت قلوب العارفين في علم ذات الله ، وبشفقته توصلت علوم

Página 16

العالمين في صفات الله ، وبرحمته أدركت عقول المؤمنين شواهد ما أشهدهم الله من بيان الله.

وقيل بإلهيته تفردت قلوب عباد الله ، وبتعطفه صفت أرواح محبيه ، وبرحمته ذكرت نفوس عابديه.

وقيل : ( بسم الله ): ترياق أعطى للمؤمنين ، يدفع الله به عنهم سم الدنيا وضررها.

وقال جعفر الصادق : «بسم» : للعامة ، و «الله» : لخاص الخاص.

وقال سهل : «الله» : هو اسم الله الأعظم الذي حوى الأسماء والأسامي كلها ، وبين الألف واللام منه حرف مكني غيب من غيب إلى غيبه ، وسر من سر إلى سره ، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقته ، لا ينال فهمه إلا الطاهر من الأدناس ، الآخذ من الحلال قواما لضرورة الإيمان.

وقيل : من قال بالحروف ، فإنه لم يقل الله ؛ لأنه خارج عن الحروف والحسوس ، والأوهام ، والأفهام ، ولكن رضي منا بذلك ؛ لأنه لا سبيل إلى توحيده من حيث لا حال ولا قال.

وحكي أن أبا الحسن النوري بقي في منزله سبعة أيام لم يأكل ، ولم يشرب ، ولم ينم ، ويقول في ولهة ودهشة : الله الله ، وهو قائم يدور ؛ فأخبر الجنيد ، قال : انظروا محفوظا عليه أوقاته ، فقيل : إنه يصلي الفرائض ، فقال : الحمد لله الذي لم يجعل للشيطان له سبيلا ، ثم قال : قوموا حتى نزوره إما أن نستفيد منه ، أو نفيده ، فدخل عليه وهو في ولهه ، فقال : يا أبا الحسن ، ما الذي ولهك؟ قال : أقول : الله ، الله ، زيدوا علي ؛ فقال له الجنيد : انظر هل قولك الله الله ، أم قولك : إن كان كنت القائل الله الله ، فلست القائل له ، وإن كنت تقوله بنفسك ، وأنت مع نفسك ، فما معنى الوله؟ قال : نعم المؤدب كنت ، وسكن من ولهه.

أما قوله : ( الرحمن ) رحم على أوليائه باسمه الرحمن ، بتعريف نفسه لهم ؛ حتى عرفوا به أسماءه ، وصفاته ، وجلاله ، وجماله ، وبه خرجت جميع الكرامات للأبدال والصديقين ، وبه تهيأت أسرار المقامات للأصفياء والمقربين ، وبه تجلت أنوار المعارف للأتقياء والعارفين ؛ لأن اسم ( الرحمن ) مخبر عن خلق الخلق ، وكرمه على جميع الخلق ، وفي اسمه ( الرحمن ) ترويح أرواح الموحدين ، ومزيد أفراح العارفين ، وتربية أشباح العالمين ، وفيه نزهة المحبين ، وبهجة الشائقين ، وفرحة العاشقين ، وأمان المذنبين ، ورجاء الخائفين.

وقال بعضهم : اسمه ( الرحمن ) حلاوة المنة ، ومشاهدة القربة ، ومحافظة الحرمة.

وقال ابن عطاء : في اسمه ( الرحمن ) عونه ونصرته.

وقوله ( الرحيم ): موهبة الخاص لأهل الخاص ، وهو مستند لذوي العثرات ،

Página 17

ومسرة لأهل القربات.

و ( الرحمن ): مطية السالكين ، تسير بهم إلى معدن العناية ، و ( الرحيم ): حبل الحق للمجذوبين تجذبهم به إلى حجال الوصلة.

باسمه ( الرحمن ) أمنهم من العقاب ، وباسمه ( الرحيم ) أتاهم من نفائس الثواب ؛ الأول : مفتاح المكاشفة ، والآخر : مرقاة المشاهدة.

باسمه ( الرحمن ): فتح لهم الغيوب ، وباسمه ( الرحيم ) : غفر لهم الذنوب.

وقال ابن عطاء : في اسمه ( الرحيم ) مودة ومحبة.

وعن جعفر بن محمد في قوله : ( الرحمن الرحيم ) إنه قال : هو واقع على المريدين والمرادين ؛ فاسم ( الرحمن ): للمرادين ؛ لاستغراقهم في أنوار الحقائق ، و ( الرحيم ): للمريدين ؛ لبقائهم مع أنفسهم ، واشتغالهم بالظاهر.

( الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4))

قوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) (1) شكر نفسه للعباد ؛ لأنه علم عجزهم عن شكره ، وأيضا : أدب الخلق بتقدم حمده امتنانه عليهم على حمدهم نفسه.

ولسان الحمد ثلاثة : لسان الإنساني ، ولسان الروحاني ، ولسان الرباني ، أما «اللسان الإنساني» : فهو للعوام ، وشكره بالتحدث بإنعام الله وإكرامه ، مع تصديق القلب بأداء الشكر.

والحاصل : إن الألوهية باطن الربوبية ، فالأولى مظهر الاسم الباطن ، والثانية مظهر الاسم الظاهر ، وكذا الحق باطن الخلق ، والشمس باطن القمر ، والأب باطن الابن ، والروح باطن الجسم ، فالظاهر مرآة الباطن في كل ذلك ؛ وإنما جعلوا الرب الاسم الأعظم أيضا ، وفي مرتبة الجلال من حيث جمعيته ؛ لأن الألوهية والربوبية لا تختصان بألوهية بعض دون بعض ، وبربوبية بعض دون بعض ، وباسم دون اسم ، وبلطف دون قهر وبالعكس ، فللسلطان الجمال والجلال ، وللوزير التربية بكل من اللطف والقهر ، فجمعية السلطان إنما تظهر في المراتب التي دون السلطنة فاعرف ذلك.

Página 18

وأما «اللسان الروحاني» : فهو للخواص ، وهو ذكر القلب لطائف اصطناع الحق في تربية الأحوال ، وتزكية الأفعال.

وأما «اللسان الرباني» : فهو للعارفين ، وهو حركة السر ، يصدق شكر الحق جل جلاله بعد إدراك لطائف المعارف ، وغرائب الكواشف بنعت المشاهدة والغيبة في قربه ، واجتناء ثمرة الأنس ، وخوض الروح في بحر القدس ، وذوق الأسرار مع مباينة الأنوار.

والحامدون في حمدهم لله ، بتفاوت لسانهم في مقاماتهم ومقاصدهم ، وأهل الإرادة حمدوه بما نالوا من صفاء المعاملات ، مقرونا بنور القرب ، وأهل المحبة حمدوه بما نالوا من أنوار المكاشفات ، مقرونة بنور صرف الصفات ، وأهل المعرفة حمدوه بما نالوا من جمال المشاهدات ، ممزوجا بعلم الربوبية ، وأهل التوحيد حمدوه بما نالوا من سناء خصائص الصفات ، وجلال قدم الذات ، مشوبا بنعت البقاء ، وأهل شهود الأزل بنعت الأنس حمدوه بما لاح في قلوبهم من نور القدس ، وقدس القدس ، وبما أودع الله أرواحهم من أسرار علوم القدم ، وما أفرد مواطن أسرارهم من غصن الأبصار في تعرض الحدثان عند حقائقها ، وما خصها بكشف الكشاف ، فحمدهم بالبسط والرجاء والانبساط شطح ، وحمده في الاصطلام والمحو خرس.

كما قال عليه السلام : «لا أحصي ثناء عليك» (1) في قبضه عن تحصيل شكر رؤية القدم ، فلسان التحميد لأهل التفرقة ، ولسان الحمد في رؤية المحمود صفات أهل الجمع.

وقيل : ( الحمد لله ): ما قضى وقدر بإدراك ، على ما هدى وحفظ ، وعلى ما أرشدوا ، وعلى ما اختاروا.

وقال أبو الوزير الركبي في قوله : ( الحمد لله ): عن الله ، قال : لو عرفت ذلك عبدي ، لما شكرت غيري.

وقال أبو بكر بن أبي طاهر : ما خلق الله شيئا من خلقه ؛ إلا وألهمه الحمد ، ثم جعل فاتحة كتابه ، وفرضها عليهم في صلاته.

وقال ابن عطاء : «الحمد لله» معناها الشكر لله إذا كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدنا.

وقيل : معنى «الحمد لله» أي : أنت المحمود جميع صفاتك وأفعالك.

وقيل : «الحمد لله» أي : لا جامد لله إلا الله.

وذكر عن جعفر الصادق في قوله : ( الحمد لله )، قال : من حمده ، فقال : من حمد

Página 19

بصفاته كما وصف نفسه فقد حمده ؛ لأن الحمد حاء ، وميم ، ودال ؛ «فالحاء» من الوحدانية ، و «الميم» من الملك ، و «الدال» من الديمومية ، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك ؛ فقد عرفه.

وقال رجل بين يدي الجنيد : «الحمد لله» ، فقال له : أتممها كما قال الله ، قل : ( رب العالمين )، فقال له الرجل : ومن العالمون حتى يذكروا مع الحق؟! فقال : قله يا أخي ، فإن الحادث إذا قارن بالقديم لا يبقى له أثر.

قوله تعالى : ( رب العالمين )؛ لأنه أظهر نفسه عليهم حتى نالوا من بركاتهم ما هداهم إلى معرفته ، فرباهم بها على قدر مذاقهم ، فربى المريدين بشعشعة أنواره ، ولوائح أسراره ، وربى المحبين بحلاوة مناجاته ، ولذة خطابه ، وربى المشتاقين بحسن وصاله ، وربى العاشقين بكشف جماله ، وربى العارفين بمشاهدة بقائه ، ودوام أنسه ، وحقائق انبساطه ، وربى الموحدين برؤية الوحدانية والأنانية في عين الجمع ، وجمع الجمع.

وقيل : ( رب العالمين ) أي : منطقهم بحمده.

وذكر عن ابن عطاء : ( رب العالمين ) أي : مربي أنفس العارفين بنور التوفيق ، وقلوب المؤمنين بالصبر والإخلاص ، وقلوب المريدين بالصدق والوفاء ، وقلوب العارفين بالفكرة والعبرة.

وقال محمد بن علي الترمذي : علم الله تواتر نعمه على عباده ، وغفلتهم عن القيام بشكره ، فأوجب عليهم في العبادة التي تكرر عليهم في اليوم والليلة : ( الحمد لله رب العالمين )، فيكون ذلك قياما لشكره ، وألا يغفلوا عنه ، فأبوا ذلك.

وقال بعضهم : ذكر ( بسم الله )، ثم قال : ( الحمد لله ) : أعلم أن منه المبتدأ ، وإليه المنتهى.

وقال الحارث المحاسبي : إن الله بدأ بحمد نفسه ، فأوجب للمؤمنين تقديم ( الحمد لله ) في أول كل كتاب ، وكل خطبة ، وكل قول حسن ، وهو أحسن ما ابتدأ به المبتدئ ، وافتتح مقالته.

وقال بعضهم : من قال : ( الحمد لله رب العالمين )؛ فقد قام بحق العبودية ، وشكر النعمة.

وقال بعضهم : ظهر فضل آدم على الكل ، بقوله حين عطس : ( الحمد لله ).

وقال الأستاذ : مربي الأشباح بوجود النعم ، ومربي الأرواح بشهود الكرم.

Página 20