1271

Carais Bayan

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regiones
Irán
Imperios y Eras
Abbasíes

وكشفا ، فيربيهم على سنن الواردات حتى صاروا في مشاهدة بدر كمال الصفات ، فإذا كادوا يفنوا في تلك الحالة يغيب عنهم أنوار الصفات حتى يبقى لهم اللمعان والبروق ، ويصير البدر لهم هلالا ، فيتراءون هلال جمال الصفات بأبصار قلوبهم في سماء اليقين ، وهذا من لطف الله لهم الذي يربيهم على قدر الأحوال في مقامات مشاهدة الذات والصفات قبضا وبسطا حتى لا يفنوا.

قال الأستاذ : نهار الوجود يدخله على ليالي التوقف ، ويقود بيد كرمه عصا من عمى عن سلوك رشده ، فيهديه إلى سواء طريقه.

وقال في قوله : ( والقمر قدرناه ) الإشارة منه أن العبد في أوان الطلب رقيق الحال ضعيف اليقين مختصر الفهم ، فيتفكر حتى تزداد بصيرته ويكمل حاله ، ثم يصير كاملا ، ثم يتناقص ، ويدنو من الشمس قليلا قليلا ، وكلما ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى ويخفى ولا يرى ، ثم يبعد عن الشمس ، لا يزال يتباعد حتى يعود بدرا من الذي يصرفه على ذلك إلا أنه تقدير العزيز العليم ، فشبه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته صاحب تمكين غير متلون يشرق بروج من سعادته دائما ، لا يأخذه كسوف ، ولا يستره سحاب ، وشبه القمر عبد يكون أحواله في التنقل ، صاحب تلوين له من البسط ما يرقيه إلى حد الوصال ، ثم يرد إلى الفترة ، ويقع في النقص بما كان به من صفاء الحال ، فيتناقص ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته ، ثم يجود عليه الحق سبحانه ، فيوفقه لرجوعه عن فرقه وإفاقته عن سكرته ، فلا تزال تصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال ، ويرزق صفة الكمال ، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال ، كذلك حاله إلى أن يحق له بالمقسوم ارتحاله ، فكما قالوا : [إن كنت أدري فعلى بدنه من كثرة التلوين إلي من أنه] ، وفي معناه أنشدوا :

كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل

( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57))

قوله تعالى : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ) (55): إذا دخل أهل الجنة في الجنة وتنعموا بها يكشف الله جماله لهم بالبديهة ، فيكونون في شغل من المشاهدة عن نعيم الجنة ناظرين إلى الحق بالحق ، ويفرحون بما نالوا من جماله وجلاله.

قال ابن عطاء : شغلهم في الجنة استصلاح أنفسهم لميقات المشاهدة ، وهذا من أعظم

Página 170