قال الرومي: «أما نحن فقد وجدنا فيه الغرابة كل الغرابة، والعجب كل العجب، وأولناه ألوانا من التأويل. فأما رهباننا وأحبارنا فقد فهموا منه شيئا آخر. ظن الأحبار والرهبان أن هذه آية قدمتها السماء بين يدي آيات أخرى أكبر منها وأعظم خطرا. وظن الأحبار والرهبان أن أمور الناس ستتغير وتتبدل، وأن ما أنزل على اليهود والنصارى من الدين سيتم في هذا البلد الذي رد عنه الفيل. وظننا نحن كما قلت لكم أن آلهتنا قد هاجروا إلى هذا البلد، وأنهم قد ردوا جيش الحبشة والروم عنه، كما ردوا جيش الفرس عن بلاد اليونان منذ قرون. وتمتلئ نفسي بحب الآلهة، وتطمئن نفسي إلى هذا التأويل، وتحدثني نفسي بالهجرة إلى بلادكم لألقى فيها آلهتنا ، ولأرى فيها تماثيلهم، ولأعبدهم حرا، وأتقرب إليهم، مظهرا ذلك لا مستخفيا به ولا محتاطا فيه. وأفكر في الرحلة إلى هذه الأرض، وفي الحياة التي سأحياها في هذا البلد، وفي رزقي كيف أكسبه. فأتصل بالذين كانوا يفدون على بلادنا من تجاركم، فأعلم منهم علم هذه البلاد ومن يعيش فيها من الناس، وأقدم مع بعض قوافلكم تاجرا أسقيكم خمر الروم، وأسمعكم غناء الروم. وإن لي في بلادكم لأربا غير هذا وذاك. وما أخفي عليكم أني لم أبلغ بلادكم ولم أستقر في أرضكم حتى أدركتني خيبة الأمل، وحتى جعلت نفسي تحدثني بأن الأحبار والرهبان ربما كانوا أدنى مني إلى الحق، وأقرب مني إلى الصواب؛ فقد رأيت تماثيل آلهتكم، ورأيت سيرتهم فيكم وسيرتكم فيهم، فلم أعرف من هذا كله شيئا، ولم تعطف نفسي على صنم من هذه الأصنام القائمة، ولم يمل قلبي إلى وثن من هذه الأوثان المنصوبة، ولم يرتب ضميري في أن آلهتنا قد هاجروا من بلاد اليونان لا ليستقروا في بلاد العرب، ولكنهم مضوا إلى وجه من الأرض أو من السماء لا نعرفه ولا نهتدي إليه.
هنالك أخفيت أمري في مكة كما كنت أخفيه في طرسوس، وأظهرت لكم نصرانيتي هذه الرقيقة كما كنت أظهرها في أرض قيصر، وفرغت للتجارة واستثمار المال، فجعلت أسقيكم الخمر، وأسمعكم الغناء، وأفيد منكم مالا كثيرا. ولكنكم أخذتم منذ حين في هدم بيتكم هذا وتجديد بنائه، فكان ذلك مصدر ما أنا فيه من الاضطراب.»
قال صفوان: «وما ذاك؟»
قال الرومي: «ألم تفكروا في أصنامكم هذه القائمة حول هذا البيت والمسندة إليه ما عسى أن تصنعوا بها أثناء الهدم والبناء؟»
هنالك نظر بعض القوم إلى بعض نظرة لا تخلو من معنى. وقال صفوان: «وماذا كنت تريد أن نصنع بها غير ما صنعنا؟!»
قال الرومي: «لم أكن أريد شيئا، وإنما كنت أنتظر.»
قال صفوان: «كنت تنتظر كما كنا ننتظر أن تتحول الآلهة عن أماكنها، وأن تبهرنا بانتقالها إلى حيث تأمن معاول الهادمين. ولكن الآلهة لم تتحول فحولناها، ولم تنتقل فنقلناها . وإذا تم البناء فسنرد ما نقلناه منها إلى أماكنها الأولى. فماذا تنكر من ذلك؟! إنا لم ننكر منه شيئا.»
قال الرومي: «فقد كنتم تنتظرون من الآلهة مثل ما كنت أنتظر؟»
قال صفوان ضاحكا: «ولكن الآلهة لم تحقق آمالنا، ولم تفعل ما كنا ننتظر منها. أفنكره الآلهة على ما لا تريد! يا غلام! قد جفت حلوقنا فاملأ الأقداح.»
ثم التفت إلى الرومي وهو يقول: «إنك لتعني نفسك بأيسر الأمر وأهونه. إن أخص ما يميز الآلهة أنهم يفعلون ما يريدون هم لا ما نريد نحن.»
Página desconocida