ثم قال: أراني في مثل الموقف الذي كان فيه أبسن من حيث العلاقة بالأحزاب.
وقال عن فاجنر الموسيقي العظيم: «إن العالم تحكمه الأعمال ولا تحكمه النيات، وإن خاطئا واحدا فعالا ليساوي عشرة من القديسين والشهداء الفاشلين. ولقد كان لفاجنر - كسائر العباقرة - صفات الإخلاص الممتاز والتقدير الفائق للوقائع والطلاقة الممتازة من غواية الشهرة بين الحركات الشعبية، وكانت له فطنة ممتازة إلى حقائق السلطة السياسية بمعزل عن الدعاوى والوثنيات التي يكمن وراءها السادة الحقيقيون الذين يجذبون السلك ويحشون المدفع.»
وقال عن بيرون: «إن استغراقه في وساوس الفشل - فشل غيره وفشل نفسه - في المطابقة بين حياتهم وأمثلتهم العليا، وانغماسه من جراء ذلك في سوء الظن بالإنسانية، وثقته الصبيانية المطلقة بصدق تصوراته وخبث هذه الدنيا التي لا توليها حقها من التصديق ... كل أولئك أكسبه تلك السمة التي نصفها فاجع ونصفها مضحك، وغاص به في الوحشة الخفية التي توحي إليه صورة تاريخ غريب مفزع لم يعقب غير الحسرة والندامة.»
وقال عن نيوتن في سياق الكلام على العبقرية والمناصب الحكومية: «إن نيوتن كان وشيكا أن يصل إلى حيث وصل أينشتاين، لو لم يشغلوه بمنصب ناظر المسكوكات.» •••
ولبرنارد شو أقوال كثيرة في عظماء زمانه وعظماء سائر الأزمنة موزعة في رواياته وأحاديثه، ولا فرق في جوهرها وطبيعتها بينها على الجملة وبين الأمثلة التي أوردناها.
ولعله قد أعطانا فيها ميزانا لنفسه لا يختلف كثيرا عن الميزان الذي وزنه به ناقدوه، وهي - إذا رفعنا عن كفة الميزان بعض الصنجات كما تقدم - تعرضه لنا في صورة جمعت بين الطيبة والحصافة والإقدام، ولم تخل من شيطنة الحيوية أو الصبيانية، وما نحسب «الحيوية» قد خلت قط من شيطنة تلائمها، سواء منها حيوية الذهن وحيوية الغريزة وحيوية الطفولة ... وما مصدر الشيطنة كلها في الطفل الصغير؟ إنها الحيوية النامية لا مراء!
ومن ثم ذلك الشبه الدائم بين العباقرة والأطفال.
شو ومصر
هناك كلمة واجبة في كل ترجمة لبرنارد شو تكتب في مصر باللغة العربية، وهي الكلمة التي ينبغي أن يشار بها إلى موقفه الكريم من الأمة المصرية بعد حادث دنشواي المشهور.
وقد يحتاج القارئ العصري إلى تلخيص وجيز لهذا الحادث؛ لأنه حدث في سنة 1906 قبل أن يولد أبناء الأربعين في الجيل الحاضر، فهم لا يعرفونه إلا من طريق السماع أو الاطلاع.
Página desconocida