198

وكان أثر الحكم عندي أقرب إلى أن يكون ارتياحا؛ لأني كنت أقمت بالسجن خمسة أشهر، ولم يبق علي من المدة التي حكم بها علي إلا شهر واحد، كنت مثل بحار في سفينة تتخبط في الضباب، وهو يمسك قلبه في كل خطوة حتى لا يستسلم لليأس، ثم رأى فرجة في الظلام ولمح الشاطئ أمام عينيه، فمنذ علمت بالحكم تبدل استسلامي إلى استبشار، وزال ضغطي على نفسي وكبتي لخلجات أملي، وبدأت أطلق العنان لأحلامي وسبحات خواطري، وكان كل يوم يمر يبعث إلي هزة جديدة من التطلع إلى الساعة السعيدة التي عرفت أنها آتية في موعدها.

ومن واجب الوفاء علي لهذه الأيام الأخيرة من إقامتي بالسجن - وقد نقلت إلى سجن مصر - أن أذكر هنا أنني مدين لساعاتها الهادئة بكتابة أكثر فصول هذه القصة التي بدأتها من قبل، وكان هواء الخريف أرفق بي، وبدأت الأيام تقصر، وكان ذلك يتيح لي فراغا كبيرا للقراءة والكتابة؛ لأني في العادة أكثر إقبالا على العمل في الليل.

وقد حدث أمر آخر كان له أثر كبير في نفسي قبل يوم الحرية الموعود بأسبوع واحد؛ إذ جاءني عبد الحميد مع أمي وأختي، وجرى الحديث بيننا حول ميلادي الجديد بعد خروجي من السجن، وكانت أمي تردد رغبتها في أن أذهب إلى دمنهور، وأنفض يدي من الكتابة التي تقذف بي إلى السجن.

وأما منيرة فكانت تعارض هذا الرأي، وترجو أن أقيم في بيت محترم حتى تستطيع زيارتي بين حين وآخر، وتتمتع بمشاهد القاهرة التي لم تزرها مرة واحدة في مدة إقامتي بالسجن، وقد علمت من خلال هذا الحديث لأول مرة أن بريد الأحرار عادت إلى الظهور منذ شهر بعد خروج الأستاذ علي مختار من السجن، فكان من الطبيعي أن أنحاز إلى رأي منيرة في البقاء بالقاهرة.

وقالت منيرة في حماسة: على كل حال لا يليق بنا أن نسافر إلى دمنهور قبل أن تقضي بضعة أيام مع منى.

وتمالكت نفسي حتى لا أصيح أو أثب من مكاني، وقلت في هدوء: أين؟

فقالت منيرة: هنا في القاهرة، نسيت أن أعطيك خطابها، أين هو يا أمي؟ هل أخذته مني يا عبد الحميد؟

فقلت محاولا أن يكون صوتي طبيعيا: ومتى بعثت بذلك الخطاب؟

فقال عبد الحميد: طلبت منيرة مني في الأسبوع الماضي أن أمر على بيت منى؛ لأسأل عنها وعن صحة السيدة الكبيرة، فأرسلت منى معي هذا الخطاب.

وأخرجه من جيبه وقدمه إلى منيرة.

Página desconocida