Libro sobre la conducta del médico
كتاب أدب الطبيب
Géneros
وقالوا: إن فى ذلك الوقت ورد ماسويه أبو يوحنا مدينة السلام، وكان جبريل مع الرشيد، وكان تلميذا فى بيمارستان جندى سابور ثلاثين سنة، فلما ارتفع جبريل. قال ماسويه يوما من ذلك: هذا جبريل قد بلغ الصكاك، ونحن فى البيمارستان! فبلغ ذلك جبريل، فوجه، وأخرجه من البيمارستان. فبقى منقطعا منه. فصار إلى بغداد ليعتذر إلى جبريل، ويخضع. فلم يزل على بابه دهرا طويلا، فلم يأذن له. ويتراءى له، إذا ركب، فلا يكلمه. فلما ضاق به الأمر، ولم يبق معه نفقة، صار إلى دار الروميين التى فى الجانب الشرقى. فقال لقس البيعة: اكرز لى، لعل يقع لى شئ، وأنصرف، فإن أبا عيسى ليس يرضى عنى، ولا يكلمنى! فقال له القس: كنت فى البيمارستان ثلاثين سنة، ولست تحسن شيئا من الطب؟! قال: بلى! أنا كحال، وأعالج الجراحات! فاتخذ له صندوقا، وأعطاه لبدا، وأجلسه على باب المحرم، على باب الفضل بن الربيع الوزير. فلم يزل يكتسب الخمسة، والعشرة الدراهم، والأقل، والأكثر، إلى أن حسنت حاله قليلا. فاشتكت عين خادم الفضل بن الربيع، وكان يعزه. فوجه إليه جبريل بالكحالين، فعالجوه بكل صنف من العلاج، فلم ينتفع به. واشتد وجعه، حتى طار النوم عن رأسه، وأصابه أرق شديد. فخرج من القصر هائما على وجهه من الضجر، فرأى ماسويه، فقال له: يا شيخ! ما تصنع هاهنا؟ إن كنت تحسن شيئا من الكحل، عالجنى، وإلا فقم من هاهنا! فقال: يا سيدى! أحسن وأجيد! فقال: داونى! فدخل إليه، وقلب جفنه، وكحله، وسكب على رأسه، وسعطه. فنام الخادم، وهدأ. فلما أصبح، وجه إلى ماسويه بساف خبز سميد، وجام حلوى، وجدى، ودجاجة، ودينارين، وعشرة دراهم، فقال: هذا لك فى كل يوم، والديناران والدراهم فى كل شهر. فبكا ماسويه فرحا، وتوهم الرسول أنه قد استقله، فقال: لا تغتم، فإنا نزيدك! فقال: يا سيدى! رضيت منك أن تذر على هذا، ولا أريد منك الزيادة! فلما رجع الفضل، أخبره خادمه بما كان. فكان بين مصدق، ومكذب.
فلم تمض الأيام والليالى، حتى اشتكت عين الفضل بن الربيع نفسه. فوجه إليه جبريل الكحالين، فلم يزالوا يعالجونه، فلم ينتفع بشئ من ذلك. فأدخل الخادم ماسويه إليه ليلا، فلم يزل يكحله إلى ثلث الليل، ثم سقاه حب الأيارج، فحركه خمسة مجالس، وأصبح وقد برأت عينه. فحضر جبريل، فقال الفضل: يا أبا عيسى! هاهنا رجل طبيب، يقال له ماسويه من أقره الناس بالكحل! فقال جبريل: ومن هذا؟ أهو الذى يجلس على الباب؟ قال: نعم! قال: كان أكارا لى، فلم يصلح للأكارين، فطردته، وما عالج الطب قط! فإن شئت فأحضره، وأنا حاضر! وتوهم جبريل حين يدخل، يسجد، ويقف بين يديه. فأمر، فأحضر ماسويه، فدخل، وسلم، وجلس بحذائه. فقال له جبريل: ماسويه! صرت طبيبا! فقال له: ألم أزل طبيبا. أنا خادم فى البيمارستان منذ أربعين سنة، 〈و〉تقول لى هذا القول؟! وانصرف جبريل، وهو خجل. وأجرى الفضل على ماسويه ثلثمائة درهم فى كل شهر، وعلوفة دابتين، ونزل خمس أنفس. ووجه، فحمل عياله من جنديسابور، ويوحنا معهم صبيا حينئذ.
فما مضت الأيام والليالى، حتى اشتكت عين الرشيد، فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين! طبيبى ماسويه ليس له نظير! وأخبره بقصته فى نفسه، وبقصة غلامه. فأمر الرشيد، فأحضر ماسويه. فقال له: تحسن شيئا من الطب سوى الكحل؟ قال له: يا أمير المؤمنين! وكيف لا أحسن، وأنا أخدم المرضى فى البيمارستان منذ أربعين سنة؟! فقال: أدن منى! فدنا، ونظر إلى عينه، فقال: الحجامة، يا أمير المؤمنين! فحجمه على ساقيه، وكحله، وقطر فى عينه، فبرئ بعد يومين. فأجرى له ألفى درهم فى كل شهر، وعلوفة، ومنزلا، فألزمه الخدمة، فصار نظير جبريل فى الدار، ويحضر بحضوره، ويصل حيث يصل، إلا أن أرزاق جبريل كانت فى ذلك الوقت خمسة آلاف، ومعونة خمسين ألف درهم، وأنزاله ضعف ما اجرى لماسويه.
Página 130