فصاح الشاب بدهشة وسخرية: أسكران أنت؟! ماذا قلت؟
فقال عباس بلهجة جدية شديدة التأثر: صدقني فيما قلت، هذه المرأة هي حميدة بلحمها ودمها، وقد عرفتها من أول نظرة فركضت وراء عربتها كما رأيت، حتى أدركتها وحادثتها.
فتساءل حسين في دهشة وإنكار: كيف تريدني على أن أكذب عيني؟!
فتنهد الحلو بأسى، وراح يروي له ما دار بينهما من حديث دون أن يخفي عنه شيئا، والآخر يصغي إليه باهتمام شديد، حتى ختم حديثه قائلا: هذا ما أردت أن أطلعك عليه، ولقد تردت حميدة في الهاوية ولا نجاة لها، ولكنني لن أترك المجرم الأثيم بغير عقاب.
وحدجه حسين بنظرة طويلة احتار في تفسيرها، وكان الفتى بطبعه مستهترا قليل الاكتراث، فأفاق من دهشته بأسرع مما قدر صاحبه، ثم قال بازدراء: حميدة هي المجرمة الأصلية، ألم تفر معه؟ .. ألم تستسلم له؟ .. أما هو فماذا نؤاخذه به؟ .. فتاة أعجبته فغواها. ووجدها سهلة فنال منها وطره، وأراد أن يستغلها فسرحها في الحانات، هذا لعمري رجل حاذق، وبودي لو أفعل مثله حتى تنجاب عني هذه الأزمة التي أكابدها. حميدة هي المجرمة يا صاح.
وكان عباس يحسن فهم صاحبه، فلم يداخله شك في أنه لا يتورع عن شيء مما ارتكبه غريمه، ولذلك تحامى عن حكمة ذم الرجل في سلوكه أو خلقه، وعمد إلى إثارة نخوته من سبيل آخر فقال: ولكن ألا ترى أن هذه الرجل قد اعتدى على كرامتنا بما يستوجب تأديبه؟
ولم يغب عنه قوله: «كرامتنا»، وأدرك أنه يشير إلى الأخوة التي تربطه بحميدة، وذكره لتوه شقيقته المطروحة في السجن بسبب فضيحة مماثلة، فاستشاط غضبا وحنقا وزأر صائحا: هذا شأن لا يعنيني، ولتذهب حميدة إلى الشيطان.
ولكنه لم يكن صادقا كل الصدق فيما قال، ولو كان لقي ذلك الرجل وقتذاك لوثب عليه كالنمر وأنشب فيه مخالبه، ولكن الحلو خدع بقوله فصدقه وقال له بلهجة لا تخلو من عتاب: ألا يغضبك أن يعتدي رجل على بنت من زقاقنا هذا الاعتداء المنكر؟ أسلم لك بأن حميدة مجرمة حقا، وأن عمل الرجل في ذاته لا غبار عليه، ولكن أليس هو بالنسبة إلينا اعتداء مشينا يستوجب الانتقام؟!
فصاح حسين بحدة: أنت أحمق، ولست تغضب لكرامتك كما تتوهم، ولكن نيران الغيرة تلتهم قلبك الخرع، ولو أن حميدة رضيت بأن تعود إليك لطرت بها فرحا. كيف لقيتها يا رطل؟! نازعتها الحديث والشكاة؟! مرحى .. مرحى .. حييت من رجل همام! .. لماذا لم تقتلها؟ .. لو كنت مكانك ورمت المصادفات إلى يدي بالمرأة التي خانتني لخنقتها بلا تردد، ثم ذبحت عشيقها، واختفيت عن الأنظار! .. هذا هو ما كان يجب أن تفعله يا رطل.
وتلبست وجهه الضارب للسواد صورة شيطانية، فاستدرك مزمجرا: لست أقول هذا متهربا، فالحق أن هذا الرجل ينبغي أن يدفع ثمن اعتدائه غاليا، وليدفعنه غاليا، وسنمضي معا في الموعد المضروب ونوسعه ضربا، ثم نرصده بمظانه جميعا ونوالي ضربه، ولو اقتضى الحال أن نحشد له جيشا من الأعوان، ولا نكف عنه حتى يفتدي نفسه بمبلغ كبير من المال، وبذلك ننتقم ونستفيد معا.
Unknown page