واستدرك حسين قائلا: هجرت المدق فأعادني الشيطان إليه، سأضرم به النار، هذه خير وسيلة للتحرر منه.
فقال عباس بأسى: زقاقنا لطيف، وما طمعت يوما في أكثر من حياة طيبة فيه. - إنك خروف! وحلال أن تنحر في عيد الأضحى. علام تبكي؟ إنك عامل وفي جيبك نقود، ولتجمعن غدا بتقتيرك مالا وفيرا، فماذا تشكو؟
فقال عباس بلهجة تشف عن الاستياء: إنك أكثر مني شكوى، وعمرك ما حمدت الله.
فحدجه الشاب بنظرة قاسية أثابته إلى رشده وجعلته يستدرك قائلا بلين: لا عليك من هذا، لكم دينكم ولي دين.
فقهقه حسين بصوت ارتجت له الحانة، وقال وقد أخذت الخمرة تلعب برأسه: خير لي أن أشتغل خمارا من أن أشتغل مكان أبي في القهوة، الربح هنا موفور، وفضلا عن هذا فالخمر مبذولة للخمار بغير حساب.
فابتسم عباس ابتسامة فاترة وقد بات أشد حذرا في مخاطبة صاحبه الديناميتي، وكان دبيب الخمر يسري في أعصابه، ولكنه بدل أن ينسى شجوه تركزت خواطره فيه. وصاح حسين مرة أخرى: فكرة رائعة! .. سأتجنس بالجنسية الإنجليزية، في بلاد الإنجليز الكل سواسية، لا فرق بين الباشا وابن الزبال، فلا يبعد أن يصير ابن القهوجي رئيس وزارة.
وانبعثت نشوة مباغتة في دم الحلو، فقال بحماس: فكرة طيبة! .. سأتجنس أيضا بالجنسية الإنجليزية.
ولكن حسين لوى شفتيه ازدراء وقال بسخرية: مستحيل، أنت خرع، فالأنسب أن تتخذ الجنسية الإيطالية، ومهما يكن من أمر فسنسافر على سفينة واحدة .. قم بنا.
ونهضا واقفين، وأديا حسابهما، وغادرا الحانة والحلو يتساءل: أين نذهب الآن؟
31
Unknown page