109

Zuhr Islam

ظهر الإسلام

Genres

ولعل هذه الصورة خير وصف لقصور الخلفاء في ذلك العصر.

والخلفاء من أول العصر العباسي يعلو كل خليفة ما قبل درجة أو درجات في الترف والنعيم والإمعان في فنون الحضارة، والأغنياء يتبعونهم في ذلك على قدر مواردهم، سائرين على حكم الزمان.

ولذلك لما جاء المهتدي بالله (255ه-256ه)، ونزع نزعته إلى الزهد استغرب منه ذلك، ولم يطاوعه الناس وسئموا سيرته، وأدى الأمر إلى قتله.

ذلك أنه جعل مثله الذي يجب أن يحتذى عمر بن عبد العزيز، فحرم الشراب ونهى عن القيان، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرب العلماء ورفع من منازل الفقهاء، وأحسن معاملة الطالبيين، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، وأخرج آنية الذهب والفضة من خزائن الخلفاء فكسرت وضربت دنانير ودراهم، وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت، وذبح الكباش التي كان يناطح بها بين يدي الخلفاء، وكذلك فعل في الديوك، وكانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها كل يوم عشرة آلاف درهم، فأزال ذلك، وجعل لمائدته وسائر مؤنه في كل يوم نحو مائة درهم.

وكان يتهجد في الليل ويطيل الصلاة، ويلبس جبة من شعر.

قال المسعودي: «فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه.»

لما قبضوا عليه قالوا له : أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟ فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول

صلى الله عليه وسلم

وأهل بيته والخلفاء الراشدين! فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي وخزري ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟!»

8

Unknown page