108

Zuhr Islam

ظهر الإسلام

Genres

وبلغت سامرا في الحضارة شأوا بعيدا حتى أفسدها وخربها الخلاف والعصبية بين أمراء الأتراك، وتحول عنها الخلفاء إلى بغداد، وكان أول من فعل ذلك المعتضد بالله، فقد حول العمران إلى بغداد وبنى بها الثريا والتاج.

وقد وصف الخطيب البغدادي قصر المقتدر بالله، الذي تولى من (295ه-320ه)، بمناسبة زيارة رسول من الروم له، فقال: إنه كان للمقتدر أحد عشر ألف خادم خصي، وكذا من صقلبي ورومي وأسود - وهذا جنس واحد ممن تضمه الدار، فدع الآن الغلمان الحجرية وهم ألوف كثيرة والحواشي من الفحول. وقد أمر المقتدر أن يطاف بالرسول في الدار ... وفتحت الخزائن، والآلات فيها مرتبة كما يفعل لخزائن العروس. وقد علقت الستور، ونظم جوهر الخلافة في قلايات على درج غشيت بالديباج الأسود، ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها؛ وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم، عليها أطيار مصنوعة من الفضة تصفر بحركات قد جعلت لها فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه من جميع ما شاهده ...

وكان عدد ما علق في القصور من الستور الديباج المذهبة بالطرز الذهبية الجليلة، المصورة بالجامات والفيلة والخيل والجمال والسباع والطرد، والستور الكبار البضغائية والأرمنية والواسطية والبهنسية السواذج والمنقوشة والديبقية المطرزة ثمانية وثلاثين ألف ستر ...

وأدخل رسل صاحب الروم إلى الدار المعروفة بخان الخيل، وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب الأيمن خمسمائة فرس عليها خمسمائة مركب ذهبا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب الأيسر خمسمائة فرس عليها الجلال الديباج بالبراقع الطوال، وكل فرس في يد شاكري بالبزة الجميلة، ثم أدخلوا دار الوحش، وكان فيها من أصناف الوحش التي أخرجت إليهم قطعان تقرب من الناس وتتشممهم وتأكل من أيديهم، ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزينة بالديباج والوشي، على كل فيل ثمانية نفر من السند والزراقين بالنار، فهال الرسل أمرها؛ ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع: خمسون يمنة وخمسون يسرة ...

ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث، وهي دار بين بساتين، في وسطها بركة رصاص قلعي،

6

حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ثلاثون ذراعا في عشرين ذراعا، فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة ... وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيها نخل، وعدده أربعمائة نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، قد لبس جميعها ساجا منقوشا من أصلها إلى حد الجمارة بحلق من شبه مذهبة ... وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسا على خمسة عشر فرسا، قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد في الناورد جنبا وتقريبا، فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد، وفي الجانب الأيسر مثل ذلك.

ثم أخرجوا - بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا - إلى الصحن التسعيني، وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل.

ثم وصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في «التاج» مما يلي دجلة، بعد أن لبس بالثياب الديبقية المطرزة بالذهب، على سرير آبنوس قد فرس بالديبقي المطرز بالذهب، وعلى رأسه الطويلة، ومن يمنة السرير تسعة عقود مثل السبح معلقة، ومن بسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر وأعظمها قيمة غالبة الضوء على ضوء النهار، وبين يديه خمسة من ولده: ثلاثة يمنة، واثنان يسرة.

7

Unknown page