الوجه الثاني: أن شكر شكرا مشروطا، وهو أن يعتقد تعظيمه ومرتبته على غيره إن قصد مما أوصل إليه وجه الإحسان، فقد احترزنا عن هذا بقولنا من غير شرط، وهذا الشكر وإن كان لا ينفك عن وجوبه مكلف ولكنه مشروط، والنظر غير مشروط، ومرادنا أن النظر أول الواجبات التي هي غير مشروطة، فإن قيل إذا ثبت عندكم فيما كلفناه ما يقترن بالنظر في أول أحوال التكليف مثل ترك الظلم، والكذب، والجهل، أو ما يتقدم عن النظر مثل القصد إلى النظر، أو ما يقارنه في بعض المكلفين كرد المغصوب على من هو عنده فما الحاجة إلى إطلاق هذه العبارة الموهمة، وتكليف الاحترازات.
قلنا: الوجه في ذلك أن النظر لما كان الغالب [68أ] على المكلفين التسهيل فيه، وتركه، وإهماله، والميل إلا تقليد الأسلاف، وابن الآباء، وعظم الخطر في ذلك، فثبت أن النظر مرية على بعض ما كلفناه من الأفعال، أردنا ثبات تلك المرية والشبهة عليها لحث المكلف على فعل النظر، والإهتمام به، والمبالغة في وجوبه.
وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن النظر أول الواجبات، وهو قول النظريين من المعتزلة، وبه قالت المجبرة، وإن كانوا يذهبون إلى أنه أول الواجبات الشرعية؛ لأنه لا وجوب من جهة العقل عندهم، وذهب البغداديون إلى أن معرفة الله تعالى أول الواجبات.
وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على ما ذهبنا إليه، وفساد ما ذهبوا إليه، فالذي يدل على ذلك أنه طريق إلى معرفة الله تعالى، وهي متقدمة على ماسوى النظر من الواجبات، وطريق الشيء متقدمة، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن النظر طريق إلى معرفة الله تعالى.
والثاني: أن معرفة الله تعالى متقدمة على ماسواها من الواجبات.
والثالث: أن طريق الشيء متقدمة.
أما الأصل الأول: وهو أن النظر طريق إلى معرفة الله تعالى فقد تقدم بيانه.
Page 129