al-Yamīnī
اليميني
ولو لا أن العقاب تبع للخطاب، وأن التأمر على الأعراض مجهول [206 أ] في حكم الاعتبار ونص الكتاب، وأن مجاز الشعراء غير حقائق الكتاب، لادعيت غضب الله على نعمه حين ابتلاها بمجاورة الأنذال، وزواها عن مظان الاستحقاق من كرام الرجال، غير أن المقصود فيها بالكرامة وقد قابلها بالاستخفاف «1»، وكابر عقله في جوارها بغير الإنصاف، أولى بأن يقهره عاجل الغضب، ويصهره آجل اللهب، فكم من وارد ماء أشرقه نميره. وقادح زند أحرقه سعيره، وشاحذ حد قطع به وريده، وراكب جواد قصم عليه جيده. وقد تختلف مواقع النعم من أربابها على شينها من «2» صارت إليه، ونيلها ممن مالت «3» بسوء اختياره وقبح آثاره عليه، فالأحداث فيها أحسن حالا، وأزين خصالا، من الكهول الطاعنين في الأسنان، والشيوخ الحالبين أشطر الزمان، فليس من قرح وحنك، وسبر «4» وسبك، وأخذ على وجه الاستبصار أو ترك، كالغر «5» لم تلفحه هواجر الأمور، والغمر «6» لم تردعه زواجر الدهور، والغفل لم تدربه الحادثات بأحوالها، والمهر لم ترضه الرجال بأكفالها. وقد يتعذر النازي «7» في طول «8» الجهالة بالشباب الذي هو طليعة الحياة، وشريعة الشهوات واللذات. وأن سائس العقل لم يضرب عليه عقاله، وصيقل التجريب لم يحكم عن متنيه صقاله. وأن الرأي برعومة لا يفتقها إلا كر الجديدين ببدر يدور، وشمس تطلع ثم تغور، وموسم زمان يتفتق «9» فيه [206 ب] النور والنور. وأن الشباب شعبة من الجنون. وأن قلم التكليف مرفوع عن المجون، والحدث الغر كالعجماء جرحها جبار، وعجمتها دون جنايتها اعتذار، فما بال من خلع لباس الحداثة، ووضع جلباب الطراءة، واجتلى نهار المشيب عيانا، وأفنى ثلاث عمائم ألوانا:
سوداء داجية وسحق مفوف ... وأجد لونا بعد ذاك هجانا
وحان له أن يصحو عن قهوة البطالة، وينزل عن صهوة الاستطالة، ويبكي لضحك المشيب برأسه، ونصول الأنقاس «1» عن قرطاسه، وتمشي الوهي في عظامه، وقعود القوى به عند قيامه، وإصباحه على خمار ندمه، وافتضاحه بعثار قدمه، ونداء برهان الله عليه باتساع محجته، وانقطاع حجته، وإتلاع النار أعناقها لا لتقاطه، واختطافه هاويا عن سراطه. يستجيز العمى عن سبيل الله، والصمم دون أمر الله، خبطا في ليل الخبال، وحطبا في حبل الضلال، ورجوعا في حافرة الخسار، وولوعا بفاجرة الآثار، وخلاء «2» في شطن «3» العتو والغلو، وإباء إلا على النفس الأمارة بالسوء، فلا در در الشيب مشوبا «4» بدنس الجيب، ولا نورت أقاحي القذال إلا على مكارم الأفعال:
فأقبح ما اجتلاه الطرف يوما ... ضياء الشيب في حلك الخصال «5»
Page 456